أخبار الشعب

وصفة العماري لإنقاذ سفينة المغرب .. تصفية الأجواء وحوار النبلاء

الثلاثاء 22 أغسطس 2017 | بكون

وصفة العماري لإنقاذ سفينة المغرب .. تصفية الأجواء وحوار النبلاء

إلياس العماري
مما لا شك فيه أن بلادنا تعرف تحولات، وإن لم تكن معلنة بشكل رسمي وبوضوح تام، فإننا نستشفها من الشعور العام الذي يسري في مختلف مستويات المجتمع المغربي. وقد تضافرت عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية وحقوقية وثقافية في توليد هذا الشعور.
فعلى المستوى الاقتصادي، لا يختلف اثنان حول الأزمة التي يعاني منها اقتصادنا الوطني، جراء ارتفاع المديونية وتواضع الاستثمارات الداخلية والخارجية نتيجة غياب شروط التشجيع والتحفيز (من بين 12 مركزا جهويا للاستثمار، تحدث خطاب العرش الأخير فقط عن مركز واحد أو اثنين نشيطين)، وارتباط أهم قطاع، وهو الفلاحة، بالتقلبات المناخية، واتساع الأنشطة الاقتصادية غير المهيكلة، وغيرها من مظاهر الأزمة.
على المستوى الاجتماعي، من جهة، تزداد الفوارق الاجتماعية اتساعا نتيجة تفشي البطالة في أوساط الفئات النشيطة، مع ما يترتب عن ذلك من ارتفاع منسوب الاحتجاجات، وانتشار الجريمة والعنف، وتفشي تعاطي المخدرات، وظهور ميول نحو التطرف والانتحار، وغيرها من الآفات المقلقة، خاصة بعد انقراض الطبقة المتوسطة واختفاء دورها المعتاد في الحفاظ على التوازنات الضرورية لاستقرار المجتمع.
سياسيا، أضحى المشهد الحزبي ببلادنا أشبه بركح للتمثيل؛ فعوض التنافس بين البرامج والتصورات، تحوّل أغلب الفاعلين السياسيين إلى ذوات تتصارع على احتلال المواقع وتقلد المناصب.
وقد أفرز هذا المشهد ظاهرة خطيرة تحوّل فيها الدفاع عن التعددية الحزبية إلى حلبة للسب والقذف والاتهام والتخوين، سواء بين الأحزاب التي أملت الضرورة التاريخية وجودها قبل وبعد الاستقلال، أو الأحزاب الأخرى التي تم تكوينها بطرق مختلفة لأداء وظائف آنية أو مرحلية أو استراتيجية. وقد ساهمت هذه الظاهرة في فتور جو الثقة بين السياسيين أنفسهم، وبينهم وبين المواطنين من جهة، وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى.
في الجانب الحقوقي، منذ صدور التقرير الختامي لهيأة الإنصاف والمصالحة سنة 2005، الذي تضمن توصيات اعتبرت في وقتها أنها شكلت الحد الأدنى الذي تم التوافق عليه حول ما كانت تطالب به الحركة الحقوقية في المغرب، لم تطف على السطح نقاشات وتساؤلات من مستوى ما نسمعه اليوم. فالكل يتساءل، اليوم، عن مصير هذه التوصيات ويتخوف من تراجع ضمانات حماية حقوق الإنسان ببلادنا.
ثقافيا، يحاول البعض إلصاق تهمة التقاعس والتواري عن الأنظار بالمثقف، ويتحدثون عن استقالته الطوعية من المشهد المجتمعي، والواقع أن التخلي عن الحاجة إلى أدوار المثقف هو نتاج تقلبات الصراع بين السلطة وخصومها. فكل طرف يحاول استقطاب المثقفين بشتى الطرق لتبرير وتسويق رؤيته للمجتمع، داخل لعبة ظرفية لا تتوخى الأفق الاستراتيجي لبناء المجتمع، وإنما همها هو تسجيل مواقف وقتية طارئة مرتبطة بحسابات سياسية ضيقة. وبذلك أُرغِم المثقفُ على تقديم استقالته من عضويته في المجتمع، وبقي حبيس أسوار الجامعات والمكاتب، وفي أحسن الأحوال يؤلف كتبا للبيع أو يدوّن شذرات على جدران الفضاء الأزرق.
أمام هذه التحولات المقلقة، ما العمل؟
من وجهة نظري الشخصية، نحن أمام واقع ملموس يقتضي تعليق كل الأحكام والتصورات والمواقف التي راكمها كل طرف على أي طرف آخر داخل المجتمع؛ وذلك من أجل تصفية الأجواء وإذابة الجليد النفسي الذي يتمترس بين أغلبية هذه الأطراف، ليُفسَحَ المجال أمام الجميع لمباشرة حوار على قاعدة إنقاذ الوطن من الأزمات المتربصة به.
فمن دون الحوار الذي يجب أن يجلس إلى طاولته جميع الأطراف، سيكون من الصعب جدا الحصول على ترياق جاهز من شأنه أن يفسخ عقد الأزمات المركبة التي تحوم على بلدنا.
وفي اعتقادي المتواضع، لا أحد من الفاعلين السياسيين والمجتمعيين، سواء ممن يمارس من موقع المشاركة الرسمية، أو ممن يمارس من موقع المعارضة الراديكالية، أو حتى ممن يقاطع جميع المؤسسات ويرفض الاعتراف بها، لا يمتلك أي واحد من هؤلاء مشروعا جاهزا ومنسجما ومتكاملا لإنقاذ الوطن، قد يمتلكون أفكارا ومقترحات، ولكن لا أعتقد أنهم يمتلكون مشروعا واضحا ومتكاملا.
قد أكون مخطئا أو مبالغا في هذا التقدير، لكن ما يجعلني أميل إليه هو تاريخ بلادنا الذي يعرف المغاربة تفاصيله جيدا.
قبيل الاستقلال، ساد الخلاف بين الفاعلين السياسيين حول نوع الاستقلال الذي يبتغيه المغاربة، وبعد الاستقلال ساد الخلاف بينهم أيضا حول طبيعة الدولة الوطنية التي يحلمون بها. وقد أبان الزمن وأثبتت التجربة أن الخيارات التي تم الانتصار لها بغض النظر عن تفاصيلها وظروفها، لم تكن في مستوى تطلعات الفاعلين الرئيسيين الذين كانوا طرفا في صياغتها وتبنيها، ولم تحقق أحلام القاعدة الواسعة من الشعب المغربي.
لا أستعيد هذا المثال لتقييم تاريخنا المشترك ولا لمحاسبة طرف أو تبخيس كفاحات ونضالات رموز تاريخنا الحديث، ولكن فقط من أجل التأكيد على فضيلة الحوار التي وحدها كفيلة بإنتاج مشروع مجتمعي متكامل، ومن أجل التنبيه إلى أنه ليس بمقدور أي طرف سياسي أن يحتكر الأجوبة على ما يمكن وصفه بأزمة الوطن. الجميع في حاجة إلى ممارسة نقد ذاتي، من دولة ومجتمع؛ لأن الأزمة التي وصلنا إليها ربما لم يساهم في إحداثها الجميع، لكن المؤكد أن الحل هو بين أيدي الجميع، وهو مسؤولية جماعية.
عندما تصاب السفينة بأضرار مادية، لا يتم التركيز كثيرا على المسؤول عن هذه الأضرار، وإنما يجلس الجميع إلى طاولة واحدة للبحث عن سبل إنقاذ السفينة والركاب.



اراء القراء

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زوابع و توابع

انتحار التلاميذ

أبو تميم عبد اللطيف لازلنا نسمع حوادث انتحار عديدة للتلاميذ في المغرب بعد ظهور نتائج الامتحانات الاشهادية، وهذا ما تكرر هذه السنة بعد فشل بعض المتمدرسين في ساحات الحرب مع...

زوابع عربية

ابو تميم عبد اللطيف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا عِنْدَ مَوْطِنٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ...

زوابع ,المحاسبين

زوابع المحاسبين

خضعت وزارة المالية يوم الخميس الماضي لمطالب المهنيين في المحاسبة والفاعلين الاقتصاديين وذلك بإصدار دورية من المديرية العامة للضرائب تؤجل فيه تطبيق نص قانوني في قانون المالية 2016 إلى شهر...

زوابع مالية..

بعيدا عن مقتضيات مشروع القانون المالي لسنة 2016 الذي سيضيق الخناق على عموم المواطنين بخصوص الرفع من قيمة مجموعة من الرسوم كالضريبة على القيمة المضافة في مجموعة من المواد الاستهلاكية...

(مشاهدة المزيد)

اسمانوخ

الامتحانات

الناجحون في الامتحانات هاد العام

هاد الليمات وأنا تنتسارا ف الفايسبوك بان ليا مجموعة ديال الدراري والدريات تيبقاوا مكونيطين ف الانترنيبت اكثر من عشرة ديال السوايع وقتما حليت الفايس طالعين ليه ف الراس… المشكلة هي...

الكارطة

حظك مع الكارطة

حظك مع الكارطة للشواف مهند الحربيلي ليوم السبت 14 نونبر 2015 مهند الشواف صاحب أكبر سر لعجائب الكارطة في حياتنا ومستقبلنا، وقد تعلم أسرار الحظ من الكارطة على يد الشوافة والحلايقية الروحانيين...

حظك مع الكارطة

مهند الشواف صاحب أكبر سر لعجائب الكارطة في حياتنا ومستقبلنا، وقد تعلم أسرار الحظ من الكارطة على يد الشوافة والحلايقية الروحانيين بمدينة مراكش،  ثم صقل موهبته من “قتيل القمارة”  المشعوذ...

افتتاح,مرحاض عمومي,مواصفات عالمية,مراكش

المندبة كبيرة والمفتوح مرحاض …

الناس كلها كتسول على اش واقع فالمدينة فالقصبة اللي فوسط مراكش الحبيبة والكل متبع والصحافة تبارك الله كل حاط على كاميرتو ومصورتو وجاي اجري ادير التغطية الحصرية والانفراجية والسبق الصحفي...

(مشاهدة المزيد)

استفتاء

    • هل أنت مع إلغاء معاشات البرلمانيين؟

      النتائج


  • خدمات