اخر الاخبار

أحمد نور الدين يكتب…هل دخلت الجزائر عصر الديمقراطيات العسكرية؟

الأحد 22 ديسمبر 2019 | مملكة بريس /س


أسفرت الانتخابات الجزائرية التي جرت مؤخراً عن فوز السيد عبد المجيد تبون، وهي أول انتخابات تجري بعد الإطاحة بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.

قد لا نَجدُ أفضل من المَثل الجزائري الدارج “راحْ الحاج موسى وجاء موسى الحاج” للتعبير عن جمود النظام الحاكم، واستبدال واحد من أفراد الحرس القديم بالرئيس المخلوع. وإذا كانت الأرقام الرسمية تتحدث عن نسبة مشاركة لم تتجاوز 40% داخل الجزائر و9% بالنسبة إلى الجالية في المهجر، فإن كثيراً من المراقبين رجّح أن تكون النسبة الحقيقية أقل بكثير من تلك التي أُعلن عنها يوم الجمعة 13 ديسمبر/كانون الأول.

وتؤيِّد هذا التشكيك الأجواءُ المشحونة والمظاهرات التي جابت شوارع العاصمة وعدة مدن في شمال ووسط وجنوب البلاد خلال يوم الاقتراع، كما شهدت منطقة القبائل اقتحام مكاتب التصويت وتكسير الصناديق وتمزيق سجلات الناخبين بخاصة في مدن بجاية وتيزي وَزو وسْطيف، وتبقى أقوى المؤشرات على تضخيم نسبة المشاركة هي مقاطعة جلّ الأحزاب السياسية لهذه الانتخابات، وحتى الحزب الحاكم لم يكُن لديه مرشح رسمي، فيما يقبع زعيم الحزب الثاني في التحالف الحكومي السيد أحمد أويحيى في السجن، فمَن صوت إذاً؟

لحل هذا اللغز ينبغي أن نعود إلى تصريحات الحاكم الفعلي للجزائر الجنرال قايد صالح، فقد أعلن قبل يومين من إجراء الانتخابات أن “الشعب هو الجيش والجيش هو الشعب”، وهذه العبارة تختزل المشهد السوريالي كله لهذه الانتخابات، بل إنها ترقى إلى مقام المَقولة المُؤسسَة لِما قد يُطلَق عليه لاحقاً الديمقراطية العسكرية التي ستعوض الديمقراطيات الشعبية والتمثيلية التي عرفها العالَم خلال القرن العشرين.

هو فصل جديد لمسرحية قديمة، يتم فيها تغيير الأقنعة والاحتفاظ بنفس الوجوه، فالسيد عبد المجيد تبون، الذي يبلغ من العمر ثلاثة وسبعين خريفاً، تقلب في مناصب المسؤولية السامية منذ بداية التسعينيات، وشارك خمسَ سنوات متوالية في حكومة عبد المالك سلال وزيراً للإسكان ثم للتجارة قبل أن يَخلفه في منصب الوزير الأول سنة 2017. وقبلها شارك في حكومتَي أحمد بن بيتور وعلي بن فليس منافسه في انتخابات الرئاسة الأخيرة. ورغم كل ماضيه القريب والبعيد داخل السراي الحكومي، تحدث السيد تبون في أول ندوة صحافية بعد وصوله إلى كرسي الرئاسة عن حُكم العصابة، كأنه لم يكُن عضواً منها.

ويبقى السؤال المطروح: ماذا عن المرحلة القادمة؟ فيأتينا الجواب من الشارع الجزائري في الجمعة الثالثة والأربعين من الحراك الشعبي بأنه مُصِرّ على بناء الدولة المدنية وإسقاط حكم العسكر، وبأن نتائج انتخابات “العصابات” لا تعنيه في شيء، وعلى النقيض من ذلك، أعلن الرئيس المعين عن نيته فتح الحوار مع ممثلي الحراك، ومحاربة الفساد وتعديل الدستور، وهي النقاط الثلاث التي سبق للرئيس المخلوع أن طرحها في مارس/آذار للالتفاف على الحراك دون أن يُفلح في إخماده.

عمليّاً لا يمكن الحديث عن الحوار مع رئيس مطعون على شرعيته، وفي وقت يستمرّ فيه تكميم الأفواه ومصادرة الحريات، فقد أعلنت الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان يوم السبت 14 ديسمبر/كانون الثاني عن اعتقال مئات المُحتجِّين في مدينة وهران وحدها، كما لا يمكن تصديق شعار محاربة الفساد من طرف شخص كان بالأمس القريب وزيراً في حكومة عبد المالك سلال الذي حُكم عليه الأسبوع الماضي بالسجن اثنتي عشرة سنةً نافذةً في قضايا فساد واستغلال نفوذ، كما لا ننسى أن خالد تبون نَجْل الرئيس مُتابع أمام المحاكم في قضية تهريب 700 كيلوجرام من الكوكايين، وهي فضيحة تفجرت سنة 2018 وأطاحت بالمدير العام للشرطة الجزائرية آنذاك الجنرال عبد الغني الهامل، وفي الديمقراطيات الحقيقية يستقيل المسؤولون لمجرد ارتباط اسمهم بقضايا لا ترقى إلى فضائح من هذا العيار.

أما الدستور فقد أفقدته التلاعبات المتتالية مصداقيته سواء بمناسبة مراجعته للتمديد مرتين لبوتفليقة سنتي 2008 و2014، أو عند العودة إلى تحديد فترة الرئاسة في عُهدتين سنة 2016، وبعد ذلك عندما تم تجاوز آجال التسعين يوماً لإجراء الانتخابات الرئاسية الحالية، وعند تعيين هيئة الإشراف على الانتخابات، ثم إقالة وزيرٍ في حكومة نورالدين بَدْوي الانتقالية، واستحواذ قائد الجيش على السلطة الفعلية، كل ذلك تمّ خارج النص الدستوري. وقبل هذا وذاك طالب الحراك بلجنة تأسيسية تُعهَد إليها صياغة الدستور قبل إجراء الانتخابات، فكيف يقبل الشارع بفُتات تعديلات تحت إشراف أقطاب النظام القديم؟

يُمكن القول إن الانتخابات الرئاسية ستزيد الأزمة تعقيداً، وقد يلجأ الجنرالات إلى إعلان حالة الاستثناء وَفْقاً للمادة 107 من الدستور كآخر ورقة بقيت في أيديهم لإخماد التظاهرات. فهل سينجح الحراك في الحفاظ على سِلْميته والرُّسُوّ بسفينته في بر الأمان؟ إنه تَحَدٍّ كبير ولكنه ليس بالمستحيل.

 



اراء القراء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زوابع و توابع

ظهور حالتا للسل بمستشفى الأمراض العقلية بمراكش يستنفر السلطات

  يعيش مستشفى سعادة للأمراض العقلية بمراكش حالة من الاستنفار مساء يوم الخميس، وذلك بعد ظهور حالة من السل الرؤوي بين بعض المرضى، حسب ما أفادت به مصادر مطلعة. في...

الاقتصاد في حكومة العثماني

تحرير : عبد اللطيف بلكرينة التعديل الحكومي الأخير يكرس التداخل بين القطاعات وامكانية تبديد الجهود بين الوزارات حول تحديد الاختصاصات بينها والمثال اللافت للنظر هو المجال الاقتصادي حيث نجد في...

حكم قضائي حول رئيس المحاسبين المعتمدين

صدر مطلع هذا الأسبوع حكم قضائي استئنافي قطعي برفض طلب حول الطعن في شرعية رئيس المنظمة المهنية للمحاسبين المعتمدين بالمغرب، ويأتي هذا الحكم من محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط لوضع حد...

انتحار التلاميذ

لازلنا نسمع حوادث انتحار عديدة للتلاميذ في المغرب بعد ظهور نتائج الامتحانات الاشهادية، وهذا ما تكرر هذه السنة بعد فشل بعض المتمدرسين في ساحات الحرب مع مناهج تعليمية وتربوية مليئة...

(مشاهدة المزيد)

اسمانوخ

نجاة بلقاسم / حياة بلقاسم بين تحقيق واغتيال الأحلام

نجاة بلقاسم / حياة بلقاسم بين تحقيق واغتيال الأحلام

حياة بلقاسم ونجاة بلقاسم فتاتان مغربيتان كان لهما حضور قوي في الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في المغرب خلال السنوات الأخيرة، تجمع بينهما أوجه تشابه كثيرة، لكن مصير كل واحدة كان...

الامتحانات

الناجحون في الامتحانات هاد العام

هاد الليمات وأنا تنتسارا ف الفايسبوك بان ليا مجموعة ديال الدراري والدريات تيبقاوا مكونيطين ف الانترنيبت اكثر من عشرة ديال السوايع وقتما حليت الفايس طالعين ليه ف الراس… المشكلة هي...

الكارطة

حظك مع الكارطة

حظك مع الكارطة للشواف مهند الحربيلي ليوم السبت 14 نونبر 2015 مهند الشواف صاحب أكبر سر لعجائب الكارطة في حياتنا ومستقبلنا، وقد تعلم أسرار الحظ من الكارطة على يد الشوافة والحلايقية الروحانيين...

حظك مع الكارطة

مهند الشواف صاحب أكبر سر لعجائب الكارطة في حياتنا ومستقبلنا، وقد تعلم أسرار الحظ من الكارطة على يد الشوافة والحلايقية الروحانيين بمدينة مراكش،  ثم صقل موهبته من “قتيل القمارة”  المشعوذ...

(مشاهدة المزيد)

كتاب و آراء

عبد السلام الصديقي يكتب…النموذج التنموي الجديد من أجل دولة تدخلية واستراتيجية

    إن النموذج التنموي الجديد الذي يحتاج إليه المغرب لإطلاق دينامية جديدة في مسار التقدم الاقتصادي والاجتماعي وتحقيق اندماج موفق في السوق الدولية، ينبغي عليه،بالضرورة، أن يُــعطيَ مكانة مركزية...

أحمد نور الدين يكتب…هل دخلت الجزائر عصر الديمقراطيات العسكرية؟

أسفرت الانتخابات الجزائرية التي جرت مؤخراً عن فوز السيد عبد المجيد تبون، وهي أول انتخابات تجري بعد الإطاحة بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة. قد لا نَجدُ أفضل من المَثل الجزائري...

اللي بداتوا قنوات الصرف الصحي (الواد الحار ) كملاتوا القنوات ديال اليوتوب !!!!!

  تحرير : رشيد كداح المغاربة مؤخرا تحزموا وطلقوا مبادرة رجالية ونسائية بإمتياز اللي هيا مقاطعة قنوات اليوتوب أو أصحاب اليوتوبرز دو المحتوى التافه اللي همهم الوحيد هوا نشر التفاهة...

العولمة وثقافة الانفتاح

بقلم الباحث حذيفة أشملال وإن الانفتاح على أنواع ثلاثة : انفتاح قبل التهيؤ والنضج، وانفتاح المتساهل في الأخذ والاقتباس، وانفتاح المبهور بالغير.. وإن الانفتاح الحق هو الذي يبقي على هوية...

(مشاهدة المزيد)

استفتاء

    • هل أنت مع إلغاء معاشات البرلمانيين؟

      النتائج