كتاب و آراء

أزمة استقرار الدول المغاربية فرصة للإرهابيين لشل قدراتها الأمنية

الجمعة 28 يونيو 2019 | rachida essalhi


بقلم الدكتور احمد الدرداري

رغم التدابير الامنية وغير الامنية لمحاربة الجريمة الارهابية فان الواقع يبين أن العالم المعاصر يعيش اليوم أزمة ثقة التي مردها الى أزمة المرجعيات والشرائع السماوية والتضارب الدولي حول أسس حقوق الانسان الفكرية والاقتصادية والاجتماعية، الشيء الذي ولد الازدواجية في مواقف الأفراد وهشم رأيهم تجاه السياسة الدولية التي تحاول تسويق نموذج فكري وحقوقي واقتصادي يتجاوز الخصوصيات المحلية مما سبب الاحباط بسبب استهداف الهويات واضطربت المواقف وتقاطعت نقاط الاختلاف الدينية والقانونية مع محاولة تبرير ذلك بدعوى واقعية العولمة وهو ما سبب تصدع في العلاقات العامة للشعوب اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ، وهذا وفر مناخ الاستثمار في المتدمرين واليائسين والمتشددين وأصبحت ظاهرة الارهاب في مرمى التأويل بحيث هناك من يحاول أن يجعلها عدوة الحرية الوضعية بالمفهوم الغربي وهناك من يحاول أن يجعل سبب الارهاب والتطرف الخروج عن اطار الحرية بالمفهوم الديني السماوي.

كما أن تفاقم وتكرار العمليات الارهابية والتطرف العنيف من ورائه نسبة كبيره من المهمشين مع وجود مستوى من الحرية مما يصعب معه ايقاف الحرية وغض البصر عن التهميش ويوفر بذلك مناخ لأفكار التطرف واستقطاب الافراد واستبدال اليأس والاحباط لديهم بدفعهم الى المشاركة في تنفيذ العمليات الارهابية التي لا يمكن حصرها فقط في المنفذين بل هناك حاملي المشروع والمنظرين والمدربين والمراقبين والوسطاء والممولين.
ان فساد الاعتقاد والتوترات العرقية والعنف الاقتصادي والسياسي أعطى معنى اخر للإرهاب مخالف للتطرف الديني والتعصب القومي رغم أنهما يولدان التفكير في الانتقام. كما أن الجريمة الارهابية ضد المنيين لا تناسب التفكير الجنائي ولم تعد أخلاقيا من بين الأهداف الرئيسية للتنظيمات الارهابية لكن يمكن ان تكون مقياسا لمعرفة ما اذا كان التنظيم الارهابي يرتبط بصراع عالمي أي بين الحرية الغربية بمعانيها المتعددة والديانات، أم أن الامر يتعلق بالصراع مع الدولة فيتم توجيه العمليات الارهابية نحو بنيتها ولاسيما المؤسسات الأمنية وتركيز الرسالة نحو المؤسسات العامة أو أشخاص لهم علاقة بمؤسساتها كضرب البنية الاقتصادية من مطارات وسكك الحديدية وقطاع السياحة بهدف تراجع الدولة عن الاصلاحات…

ان الشعوب المتناقضة من حيث المرجعيات والمفككة من حيث القيم أصبح الانتحار والتطرف العنيف فيها لغة الواقع، وتنفيذ أعمال ارهابية بمشاركة مواطني البلد رغم تحسين القوانين الجنائية لمكافحة الارهاب ورغم تقديم بعض الحلول الأمنية. كما أن القضاء على أسباب الارهاب والتطرف العنيف بشكل جدي تحدده قدرات الدول على تنميط حياة المواطنين اجتماعيا واقتصاديا وفكريا وتقريب نظام العيش بين المواطنين وفق معايير مضبوطة، الشيء الذي يبقى غير ممكن بالمقارنة مع مهام الدولة التي تحددها المذاهب السياسية المرجعية لها. وبما أن وضعيات الأفراد في غالبيتهم مأزومة فان الانحراف والانتحار والتطرف يبقى أقرب لديهم من التأييد للدولة الغائية عن مختلف مناحي الحياة والمتنكرة لحقوقهم بل هم يحددون أهمية الدولة في ما تضمنه لهم من حقوق. كما أن تضارب المرجعيات داخل الدولة الواحدة وتعارض أنظمة الحياة بين من يعتمد في حياته كليا على الدين وبين من يفضل النص القانوني الوضعي الذي يراه المتدين متعارض في كثير من الجوانب مع التشريع السماوي.. وهاذا ما يجعل مفهوم الارهاب يختلف حسب التوجهات الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية للدول وتقاطعها حول ماهية الارهاب والتطرف العنيف مما جعل بعض الدول توحد جهودها للإحاطة بالموضوع والتعاون وفق رؤية مشتركة بينما دول أخرى اختلفت في تفسير الارهاب وهذا ما سمح بإبقاء الباب مفتوح لتنفيذ العمليات الارهابية وتزايدها.

ان العمليات الأمنية تهدف الى اضعاف واجتثاث الفكر الارهابي والوصول الى منابع التخطيط الارهابي والقضاء على التطرف المخيف و الحفاظ على تماسك البنية الأمنية للمجتمعات… كما أن التنظيمات الارهابية تهدف بشكل معاكس الى اضعاف بنية الدولة الأمنية والاقتصادية والاستقرار وضرب الصورة التي تستثمرها الدولة لجلب الاستثمار والسياحة… وعليه فان غياب الكشف المبكر والقبلي عن الاعمال الارهابية غير مبرر ضمن النظريات الأمنية والتدبير الاستباقي للمخاطر الأمنية، وغير مبرر اجتماعيا في غياب تعاون المواطن كطرف أمني أساسي، وأن التحفيز عن التبليغ مسألة غاية في الأهمية للتصدي والوقاية ومحاصرة الورم السرطاني، حيث أن العقوبات تأتي في المرتبة الثانية وليست بنفس مستوى نتائج الوقاية، خصوصا ما يتعلق بتمويل الارهاب وتقديم المساعدة أو اقناع الغير بارتكاب جريمة ارهابية، أو حيازة أسلحة ومتفجرات، او عدم التبليغ عن الجريمة والمجرمين الارهابيين، او الاشادة بالإرهاب، او التزوير وتغيير الحقيقة ….

وضمن المقاربة الوقائية فان التدابير المناسبة تكمن في:
– تحسين القاموس الفكري والديني لدى المواطنين.
– تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية.
– حل معضلة الفقر والبطالة المرتفعة.
– أخذ الاحتياطات اللازمة من الدول المجاورة التي تعيش حالة انهيار.

ان الجماعات الدينية واللوبيات الاقتصادية والسياسية الدولية كلها تقف من وراء نشر فكر التطرف، رغم جهود المنظمات الدولية والاقليمية ورغم الاتفاقيات الدولية والامريكية والاوربية والعربية والاسلامية ورغم المؤتمرات … فان الارهاب باق ببقاء النهج الديني الخاطئ والمساس بالدين مباح أو مقصود، وما دام الفقر موجود والديمقراطية غائبة وحقوق الانسان في بعض الدول كذب .. فان الغلو والتشدد يتولد بشكل طبيعي. وأن المقاربة الأمنية هي الوسيلة الوحيدة لمواجهة آفة التطرف والارهاب لكنها تبقى غير كافية.



اراء القراء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زوابع و توابع

حكم قضائي حول رئيس المحاسبين المعتمدين

صدر مطلع هذا الأسبوع حكم قضائي استئنافي قطعي برفض طلب حول الطعن في شرعية رئيس المنظمة المهنية للمحاسبين المعتمدين بالمغرب، ويأتي هذا الحكم من محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط لوضع حد...

انتحار التلاميذ

لازلنا نسمع حوادث انتحار عديدة للتلاميذ في المغرب بعد ظهور نتائج الامتحانات الاشهادية، وهذا ما تكرر هذه السنة بعد فشل بعض المتمدرسين في ساحات الحرب مع مناهج تعليمية وتربوية مليئة...

زوابع عربية

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا عِنْدَ مَوْطِنٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَوْطِنٍ...

زوابع ,المحاسبين

زوابع المحاسبين

خضعت وزارة المالية يوم الخميس الماضي لمطالب المهنيين في المحاسبة والفاعلين الاقتصاديين وذلك بإصدار دورية من المديرية العامة للضرائب تؤجل فيه تطبيق نص قانوني في قانون المالية 2016 إلى شهر...

(مشاهدة المزيد)

اسمانوخ

نجاة بلقاسم / حياة بلقاسم بين تحقيق واغتيال الأحلام

نجاة بلقاسم / حياة بلقاسم بين تحقيق واغتيال الأحلام

حياة بلقاسم ونجاة بلقاسم فتاتان مغربيتان كان لهما حضور قوي في الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في المغرب خلال السنوات الأخيرة، تجمع بينهما أوجه تشابه كثيرة، لكن مصير كل واحدة كان...

الامتحانات

الناجحون في الامتحانات هاد العام

هاد الليمات وأنا تنتسارا ف الفايسبوك بان ليا مجموعة ديال الدراري والدريات تيبقاوا مكونيطين ف الانترنيبت اكثر من عشرة ديال السوايع وقتما حليت الفايس طالعين ليه ف الراس… المشكلة هي...

الكارطة

حظك مع الكارطة

حظك مع الكارطة للشواف مهند الحربيلي ليوم السبت 14 نونبر 2015 مهند الشواف صاحب أكبر سر لعجائب الكارطة في حياتنا ومستقبلنا، وقد تعلم أسرار الحظ من الكارطة على يد الشوافة والحلايقية الروحانيين...

حظك مع الكارطة

مهند الشواف صاحب أكبر سر لعجائب الكارطة في حياتنا ومستقبلنا، وقد تعلم أسرار الحظ من الكارطة على يد الشوافة والحلايقية الروحانيين بمدينة مراكش،  ثم صقل موهبته من “قتيل القمارة”  المشعوذ...

(مشاهدة المزيد)

كتاب و آراء

الدرداري يكتب “مخاطر نظام الأمركة الجديد ووقعها على السلم العالمي (الشرق الأوسط نموذجا)”

    بقلم الدكتور أحمد الدرداري  لقد قامت الأمركة على أسس اقتصاد العولمة المعقدة والملتبسة وتحمل في طياتها أفكارا سياسية وثقافية مضادة للهويات الوطنية والمحلية لدول الجنوب مفتقرة للمحاسبة، وتهدد...

هل المسؤولين المغاربة يحملون هموم غالبية اخوانهم المغاربة ؟

بقلم الدكتور أحمد الدرداري انطلاقا من خطب جلالة الملك في عدة مناسبات ولاسيما خطاب 9 مارس الشهير سنة 2011. وخطاب العرش لسنوات ما بعد 2011 وما وقف عنده في خطاب...

د. الدرداري يكتب “هل يستفيق المغرب أمانة المسؤوليات؟”

  بقلم الدكتور أحمد الدرداري للتطور ضريبة وللعصر تحديات لا يستوعبها المعاصرون الا بعد مرور زمن الفهم القانوني بحكم اتساقها بأولويات تحجبها عند فترة الالتقاط للاشارات، ولكون عقل الدولة يتطلب...

تسليع الرياضة بالمغرب سبب الاخفاقات

بقلم الدكتور أحمد الدرداري تبدو السياسة الرياضية وبالخصوص كرة القدم من أهم الرياضات المرتبطة بالجماهير الغفيرة المولعة بحب وتتبع البطولات والاقصائيات على مستوى كل القارات الخمس، بل تعتبر كرة القدم...

(مشاهدة المزيد)

استفتاء

    • هل أنت مع إلغاء معاشات البرلمانيين؟

      النتائج