اخر الاخبار

أزمة العمل النقابي وتأثيره على أوضاع الشغيلة ودور الفساد السياسي في إيصال المؤسسات العمومية إلى الإفلاس

الجمعة 18 سبتمبر 2020 | مملكة بريس /س


محمد هنشيش

 

أمام هزالة العمل النقابي في البلاد، وجدت الطبقة الكادحة نفسها تتلقى ضربات تلو الأخرى، تارة من قبل الحكومة التي يتواجد فيها الكثير من رجال الأعمال، وتارة أخرى من قبل أباطرة القطاع الخاص، حتى ضاق بها الحال وخرجت إلى الشارع للاحتجاج، دون أن تجد وسائط مؤسساتية تمثل مصالحها في الحوار مع السلطة، في غياب دور حقيقي للأحزاب السياسية والكتل النقابية التي باتت تفتقد إلى المصداقية.

وهو ما شجع الحكومة  خلال السنوات الأخيرة الى اتخاذ عدد من القرارات التي تعارض مصلحة الطبقة الشغيلة، مثل الاقتطاع من أجور المضربين، عملًا بـ”مبدأ الأجر مقابل العمل”، ورفع سن التقاعد إلى 63 سنة في أفق رفعه إلى 67 سنة مستقبلًا لحل “أزمة صندوق التقاعد”، علاوة على أن الأجور بقيت مجمدة، في حين ارتفعت أسعار المعيشة وأضيفت ضرائب جديدة، ناهيك عن سياسات الخوصصة التي تنهجها الحكومة على قدم وساق.

ومن جهة أخرى، يرفض اللوبي البرجوازي، الممثل في الاتحاد العام لمقاولات المغرب (الباطرونا)  ، التنازل عن بعض الحقوق العمالية، ويمارس ضغطه للحفاظ على مصالحه. وفي هذا السياق تقول منظمة “أطاك- المغرب”، عضو الشبكة الدولية من أجل إلغاء ديون العالم الثالث، إن “قانون مالية 2018 تمت صياغته على مقاس الباطرونا، ورجال الأعمال الكبار هم في نهاية الأمر أكبر مستفيد من ميزانية 2018، لاستفادتها من امتيازات ضريبية جديدة”.

لكن لم يكن ذلك ليحصل لولا شيخوخة النقابات، التي تتحكم بها أطرًا تقليدية قديمة جعلتها بمثابة عقارات في ملكيتها، توظفها على مدى عقود للاسترزاق بها، وهكذا تحول العمل النقابي في المغرب إلى مرتع للفساد والزبونية والدعاية السياسية، ليبتعد عن مهمته الأصيلة في تمثيل مصالح الطبقة الشغيلة، إن التلميح بهذا الباب إنما هو للقول بأن الذين تحصلوا بالمغرب تحديدا، وطيلة نصف قرن من الزمن أو ما يزيد، تحصلوا على امتيازات ومناصب بفضل انتمائهم لاحزاب معينة، وليس نتاج استحقاق مبرر أو تميز مسوغ أو مقابل خدمة للوطن تستحق الاعتراف والثناء والمجازاة وعليه، فإن حالات توزيع الامتيازات، كما حالات التعيينات في مناصب لا يتركها أصحابها إلا لاستقبال أركان القبر، إنما هي حالات لم تفرز بالمغرب إقطاعيات متجبرة وطاغية فحسب، بل أفرزت ما يشبه الدول داخل الدولة الواحدة، لكل منها أدواتها وحماتها ومريدوها فتم إنتاج نخب مرتهنة ومستلبة وفردانية، بل تحويلها إلى “نموذج في النجاح والنجاعة “، المحك فيها للولاء والانصياع والطاعة، عوض الكفاءة والإخلاص والنزاهة ،وهنا نعرج على قطاع مهم وهو قطاع الاسكان والتعمير وسياسة المدينة الذي لم يسلم بدوره من اختلالات كبرى نتيجة الفساد السياسي وعمل عدد من الوزراء المتعاقبين على القطاع منذ حكومة التناوب على مراكمة الامتيازات والمناصب ومحاربة الاطر والكفاءات ،وبعدها تجدر حرس قديم  لوزير قضىى على راس القطاع ازيد من ثمان سنوات وسيطر على جميع دواليب الوزارة والمؤسسات العمومية وكذا شركات العمران ،ومع تعيين اول حكومة بعد دستور 2011 كانت الآمال معقودة على إصلاح الأوضاع لكن تأكد أن الفساد داخل القطاع ليس حالة عرضية او مسالة جانبية وانما هي منظومة متكاملة يلعب فيها الفساد والريع الحزبيين الدور الابرز فبعد اللقاء الاخير بمجلس النواب الذي كشف عن حجم الاختلالات التي تعرفها اكبر مجموعة عقارية واكبر مؤسسة عمومية في المغرب من حيث حجم الاسثمارات والتي كان من المفروض ان تلعب دورا محوريا في تنفيذ السياسة العمومية في مجال السكن خصوصا في مجالات محاربة السكن غير اللائق و إنعاش السكن الاجتماعي وتطوير العرض العقاري القابل للتعمير وتطوير المدن الجديدة، وقد عاب التقرير على الاجر الشهري للمدير العام والبالغ 200 ألف درهم، ناهيك عن التوظيفات التي همت أصدقاء وأفراد من العائلة بالإضافة إلى عدد من التعيينات في مناصب المسؤولية دون احترام للمؤهلات ولا الشهادات التي يتوفر عليها عدد من الأطر، مع فرض هيكلة إدارية “ضخمة” بالعمران تكرس تركيزا للسلط في يد المديريات المركزية كما تسجّيل  استحواذ مكاتب دراسات ، على عدد من الصفقات التي أعلنت عنها مؤسسة العمران في ظروف “غامضة” و في ظرف وجيز جدا،وما تعانيه شركات العمران لا يختلف كثيرا عما تعيشه الوكالات الحضرية منذ عقدين من الزمان سواء ما تعلق بالتوظيفات او التعيينات في مناصب المسؤولية او حتى المناصب السامية مما خلف افراز زمرة من المسؤولين الفاشلين على راس قطاعات حيوية أدت في الختام الى دخول المؤسسات العمومية في حالة من الإفلاس مما حدى بوزارة المالية الى اعلان عن اعادة هيكلة مؤسسات معينة والغاء مؤسسات عمومية وهنا يتم طرح التساؤلات التالية  :

  1. هل عدم وضع المؤسسات العمومية على سكة الاصلاح بعد اقرار دستور 2011 يؤكد عدم خضوع هاته المؤسسات لسلطة الحكومة ؟
  2. من يقف وراء افشال مبادرة الوزيرة الحالية المتعلقة بتفكيك اللوبيات والقضاء على المسؤوليات الوهمية داخل المؤسسات العمومية والمصالح التابعة للوزارة بعد ازيد من سنة على تعيينها على راس القطاع ؟
  3. هل البرنامج المقترح من طرف وزارة المالية بحذف مؤسسات ودمج مؤسسات يعتبر الحل المناسب ؟
  4. لماذا ساهمت وزارة المالية بشكل كبير في اضعاف الوكالات الحضرية من خلال رفض كل المبادرات التي ترمي إلى النهوض بهاته المؤسسات العمومية من قبيل اجهاض النظام الاساسي الخاص بالوكالات الحضرية ورفض الهياكل التنظيمية لملحقات الوكالات الحضرية بل والتراجع عن تغطية التقاعد التكميلي ؟

هنا نؤكد ان الجواب المنطقي يستوجب ربط المسؤولية بالمحاسبة ومحاسبة جميع الوزراء المتعاقبين على القطاع والذين لم يكن همهم خدمة القطاع بل خدمة مصالحهم الذاتية وخدمة اجندة حزبية ضيقة مع مراكمة المناصب والامتيازات على حساب مستقبل الوطن والمواطن.

 



اراء القراء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زوابع و توابع

كورونا ومناعة الدولة

متلازمة كورونا كأصعب أزمة أظهرت المناعة الحقيقية لأي دولة في العالم، فالدولة تستطيع الصمود ببنية قوية وسليمة كلما كانت متمتعة بوعي حقيقي لحكامها، وصدق يسري في عروق سادتها، ونبض متصل...

كورونا الاقتصادية

كورونا متلازمة حادة خنقت أنفاس الاقتصاد، وأفقدت أنوف المترسملين الإحساس بشم منتوجاته الطبيعية، والتهب حلق العاجزين من نقد تصنيع الكماليات، وقلة انتاج المواد الأساسية، واشتداد الحاجة إلى ضخ دماء جديدة...

السيد كورونا الإرهابي

سنعاني هذه الأيام مع من يتشبثون بالحقائق المطلقة ويبخسون الأبحاث العلمية، وسنتألم ممن ينكرون حكمة الأقدار ويؤمنون بزيف الأخبار … وسنندهش من تناقض أفكار العلماء، وسنحير من تضارب عواطف الشعراء...

الاقتصاد في حكومة العثماني

تحرير : عبد اللطيف بلكرينة التعديل الحكومي الأخير يكرس التداخل بين القطاعات وامكانية تبديد الجهود بين الوزارات حول تحديد الاختصاصات بينها والمثال اللافت للنظر هو المجال الاقتصادي حيث نجد في...

(مشاهدة المزيد)

كتاب و آراء

أمينة ماء العينين تكتب…في موضوع الاستقالات من حزب العدالة والتنمية

يتصل بي العديد من الصحفيين لطلب التعليق على موضوع الاستقالات من الحزب أو مغادرته للالتحاق بحزب آخر. ناقشت هذا الموضوع مع العديد من القيادات في الحزب والشبيبة وموقفي منه مبدئي...

أحمد نور الدين…عصابات حكام الجزائر واستكمال المهمة القذرة للاستعمار الاوروبي

أحمد نور الدين نظام العصابات نظام لقيط يبدا تاريخه سنة 1962، لذلك يرفع شعار الحفاظ على الحدود الموروثة عن الاستعمار، ولا عجب فهو صنيعة الاستعمار، ويحرص النظام العسكري الجزائري ان...

الباحث في القضايا الدولية أحمد نورر الدين يتساءل…كيف سيكون شعور الجزائريين لو رد المغرب بالمثل؟؟

أحمد نور الدين…تساؤلات   خمسون سنة والجزائر تسلح وتمول حركة انفصالية لتقسيم المغرب، ماذا تسمي هذا؟ اليس هذا هو العدوان الغاشم؟ كيف نفسر طوفان التصريحات الطافحة بالحقد والكراهية على المغرب...

الميركاتو السياسي بالمغرب

إدريس المغلشي الميركاتو السياسي لمن يدفع أكثر ، مزاد غير معلن لكنه بادي للعيان ، هي رحلة بالمقابل لكن في نفس الوقت صك اتهام للهيئات السياسية سواء التي استقبلت والأخرى...

(مشاهدة المزيد)

استفتاء