اخر الاخبار

أي أمل في الحكومة القادمة؟

السبت 19 يونيو 2021 | مملكة بريس /س


محمد الجهبلي
 طالب باحث في العلوم الإقتصادية

منذ فجر الاستقلال لم يتمكن أي حزب مترجمة مطالب الشعب والمجتمع الى واقع يتمتع به كافة المواطنين، برفع القدرة الشرائية وتقوية الاستهلاك للطبقة الوسطى بشقيها الدنيا والمتوسطة، محاربة الفساد والاستبداد، محاسبة ناهبي المال العام، استكمال ” المسلسل الديموقراطي”، توسيع هامش حرية التعبير ليصل الى انتقاد مراكز القرار، دعم المساواة بين الرجل والمرأة في المناصب والأجرة وغيرها، محاربة ترسبات الاستعمار المتوغلة في النظام المغربي والسياسات الفرنكوفونية المتجذرة في الثقافة المغربية، تحقيق استقلالية القضاء، تحقيق التنمية المستدامة والبشرية وتقوية البنية التحتية، تقريب وتسهيل الخدمات العمومية، توفير التعليم، توفير الحق في الرعاية الصحية، توسيع دائرة الاستثمارات لتحقيق العدالة المجالية، حماية حقوق المواطنين في الشغل، تقوية مبدأ تكافؤ الفرص بين الجميع

الحكومة والتنمية

القدرة الشرائية !بين الفترتين 2000-2012 و2013-2018 –قبل كورونا-انخفضت القيمة المضافة التي يُنتجها اقتصادنا من 4,6٪ إلى 2,6٪، وتراجع الناتج الداخلي الإجمالي من 4,6٪ إلى 3,4٪،تباطئ دخل الأسر من 6,1٪ زيادة إلى 3,5٪ كمتوسط سنوي، تطور الأجر الإجمالي بنسبة 0,2٪ عوض 2,8٪ (النسبة المتوقعة)، انخفاض نمو الاستهلاك إلى 3,1٪ بعد 4,3٪ سنويا، تراجع الادخار إلى 1,5٪ سنويا بعد 8,7٪، كلها معطيات رسمية نشرتها المندوبة السامية للتخطيط، يمكن الرجوع اليها في أي وقت.

من خلال الأرقام يتبين لنا التراجع الواضح بين فترة ما قبل وبعد حراك 20 فبراير على مستوى الطلب، لذلك تبقى الإنجازات الاقتصادية على هذا المستوى (دعم الارامل، الزيادة في المنحة…) محدودة جدا، بل تسببت في ضرر جهة أخرى من الشعب (سأوضحها في فقرة أسفله).

محاربة الفساد ! فيما يخص محاربة الفساد والاستبداد، من جهة، هناك من يدعي سياسة “عفا الله عما سلف” بدعوى مرجعية معينة لكن للأسف لم تؤخذ بعين الاعتبار آيات قرانية اخرى عديدة عن الظلم وآيات عن السرقة… مثلا “وَالسَّارِ‌قُ وَالسَّارِ‌قَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّـه. وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”،دون الدخول في تفاصيل الاية الكريمة، فهناك متخصصين يشرحونها بدقة، لكن لابأس من اشارة الى أن جل التفسيرات تشير بأن القطع لا يعني بالضرورة القطع الفزيائي المادي، على سبيل المثال اية اخرى “…ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الارض اولائك هم الخاسرون” لذلك فالهدف بصفة عامة هو محاسبة السارق، والسرقة في مجملها تعني أخذ ما للناس بدون وجه حق، وبالتالي فلا معنى لتطبيق المحاسبة على أشخاص معينة، في حين تجاوزها بالنسبة لأشخاص آخرين، ومن جهة أخرى، ليس من الضروري الرجوع الى آيات قرآنية لمعرفة أهمية وواجب محاسبة الظالمين، بل من البديهي رفض الفساد بكل أشكاله وأنواعه، وقد جاء في الفصل الأول من الدستور ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة كمبدأ لمحاربة الفساد الاداري والمالي، الرشوة، الوساطة واستغلال النفوذ، الشطط في استعمال السلطة، الريع السياسي والاقتصادي وغيرها من أشكال الفساد، لكن النتيجة الحالية وبعد دستور2011، تبقى ترجمته على أرض الواقع محدودة جدا، رغم وجود تقارير كثيرة تنشرها مؤسسات دستورية تثبت الفساد على مستويات عدة.

خلاصة ثانية، في أحسن الحالات يبقى مبدأ ” ربط المسؤولية بالمحاسبة ” مجرد حبر على ورق، وفي الحالات العادية لا يطبق إلا على الضعفاء من الناس، أما في أسوء الحالات فيكون بتلفيق تهم لا معنى لها.

حرية الرأي والتعبير ! للوصول إلى أي هدف تنموي لابد من تمكين الناس بتشجيع مختلف الفئات للمشاركة في تنشيط المجتمع بالتجارب والنقاشات والبحث عن المعلومة الدقيقة، من أجل تكوين معرفة عامة بمختلف المشاكل التي يعاني منها المجتمع من جهة، ومعرفة الكفاءات الفكرية، السياسية والعلمية… من جهة أخرى، لهذا فالفصل 25 من دستور 2011 يكفل حرية الفكر والرأي والتعبير بكل أشكالها، في حين النتيجة اليوم مع كامل الأسف عكس ذلك، حيث نجد حملات قمعية بشتى أشكالها وألوانها، في صفوف كل الفئات، قمع مسيرات احتجاجية لم تكن تطالب الا بالرغيف الأسود ومستوى عيش يضمن الحد الأدنى من الكرامة، قمع فنانين لم يعبروا إلا عن أوضاعهم المزرية، قمع مسيرات احتجاجية باعتقالات وحشية في صفوف الأساتذة وهم نور المجتمع والدولة، استنزاف جرائد كانت تتألق باحترامها التام لخطها التحريري، اعتقال صحفيين كانوا يتميزون بتعبيراتهم الدقيقة وترجمتهم للواقع المعاش، لكن رغم طول لوائح الاعتقالات لن يصمت أي مواطن وطني يرى زنادقة تتحكم في مستقبله.

خلاصة ثالثة، عدم ضمان حرية الرأي والتعبير يثير الشك من الإرادة في التحول الديموقراطي الذي يتحدث عنه الكل– حرية التعبير هي حق من حقوق الانسان وهي من المكونات الأساسية للنظام الديموقراطي – فكيف يمكن إيصال ما يجول في خاطر الشعب دون صحافي، مفكر، مثقف… له رأي ويعبر عنه بكل أريحية؟ وما هي أهمية الحديث عن التعددية السياسية والفكرية من دون ضمان تلك الحرية؟ وبالتالي ما الذي سيستفيد الشعب من تغيير حزب يقود الحكومة الى حزب اخر؟ …

محدودية دور الحكومة

من الناحية الاقتصادية، ربما كانت أفضل تجربة لها خارطة طريق واضحة المعالم هي تجربة حكومة عبد الله ابراهيم “المخطط الخماسي” (1960-1965)، والذي سطره وزير الاقتصاد والمالية آنذاك عبد الرحيم بوعبيد، لكن لم تستثنى هذه التجربة من محدودية دور الحكومة، بل كانت على النسق نفسه.

ماليا ! مباشرة بعد وصول حزب الى الحكم يجد مشاكل كثيرة وأولها ” مشكل التمويل”لذلك يلجأ الى وضع سياسة اقتصادية ومالية ترفع من رضاء المجتمع بوفرة المنتجات (الانتاج) وتحسين مستوى الدخل الفردي (الاستهلاك)،وذلك بالسعي الى تحقيق المعادلة البسيطة نظريا والمؤرقة تطبيقيا (الطلب = العرض).

أما عن الطريقة ففي أحسن الأحوال يلجأ الحزب القائد للحكومة (أو الحكومة) إلى سياستين، الاولى وهي البحث عن شراكة بين القطاع العام والخاص – حاليا هذا النوع من التمويل عرف تطورا كبيرا-، هذه الفكرة كانت قديمة تحت ما يسمى ب”الاقتصاد المختلط”، وذلك بهدف تحسين الانتاجية وزيادة مستوى الاستثمارات، وتقوية البنيات التحتية، أما عن الطريقة الثانية فهي الحد من تزايد الفوارق الاجتماعية بين طبقات المجتمع عن طريق ” الضريبة التصاعدية على الدخل”.

بالنسبة للطريقة الأولى “الشراكة بين القطاعين” فهي تحتاج إلى نقطتين، الأولى، إرادة سياسية حقيقية قوية( لكن للأسف غير موجودة -بحث الأحزاب عن مصالح ذاتية-)- كما تحتاج إلى نقطة ثانية وهي استقلال القرار الاقتصادي وهو أيضا غير موجود، لأن أصحاب الشركات الكبرى في المغرب هم أيضا ينتمون إلى أحزاب وهم غير معفيون من النقطة الأولى، أي يدافعون عن مصالح أحزابهم، وبوجود المصالح الذاتية فلا يمكن لصاحب شركة ينتمي الى حزب معين أن يمول مشروع حكومة يقودها حزب اخر (هذا لا يعني أن قيادة حزب رجال الأعمال للحكومة سيدفعه لتمول مشروع يعود بالنفع على المجتمع، بل في الحقيقة سيمول المشاريع التي تعود بالنفع على أطره وأعضاءه في إطار” المال كيجيب المال ” بمنطق الشركة/ المقاولة، بل الخطير في الأمر هو عدم إحساسهم وشعورهم بمعاناة الطبقة الفقيرة “مكيحس بالمزود غير لي مخبوط به”).

أما بالنسبة للطريقة الأخرى فهي فرض “ضريبة تصاعدية على الدخل”، في الحقيقة هذا هو مدخل وتطلع الأحزاب التي تنبع من رحم الطبقة الوسطى، لكن النتيجة تكون على النحو التالي، أولا الحزب الذي يقترح تفعيل هذه السياسة لم ولن يكون إلا حزبا يمتلك الاستقلالية في اتخاذ قراراته، بشكل واضح الأمر يهم ضرب مصالح الطبقة العليا بهدف حفض مستوى عيش مقبول لصالح الطبقة الدنيا، ثانيا هذا الاقتراح تشن عليه حملات اعلامية شرسة لأن الأغنياء يدافعون عن مصالهم، ثالثا تهريب أموالهم للخارج بهدف خنق الدولة، رابعا ترويج الحكومة أن إرادتها هو “إغناء الفقير وليس إفقار الغني” خامسا التنازل عن هذه الضريبة بالاقتطاعات للطبقة الوسطى المتوسطة من أجل دعم الطبقة الوسطى الدنيا، وخير مثال على ذلك معاناة الطبقة المتوسطة بسبب تراجع قدرتها الشرائية(التعاقد المشؤوم، خوصصة بعض المؤسسات العمومية،تحرير أسعار المحروقات…) من أجل الطبقة الدنيا (دعم الأرامل، رفع قيمة المنحة…) وبالتالي صيانة حقوق الأغنياء وإفقار الفقراء، أي تفاقم وضع الطبقة الوسطى.

وهكذا تبقى للحكومات صلاحيات محدودة جدا في تحديد السياسات المالية (مع العلم أن المال/الشركة هو سيد العالم)، وذلك بتفعيل سياسات عادية جدا، كل واحدة منها تضغط على زر معين.

استنتاجا لماسبق، يتبين أن الحكومة غير قادرة على بلورة أفكار تستطيع تنزيلها على أرض الواقع، وما هو أعلاه فقط جزء من المعيقات التي تواجهها؛ من جهة معيقات اقتصادية متمثلة في الإطار الضيق الذي يمكن التدخل فيه لتوجيه سياسات مالية وتنزيل مشاريع تنموية كبرى، ومن جهة أخرى صعوبة تنزيل دستور 2011 من بينها وجود تقارير دستورية دون محاسبة، تراجع حرية الرأي والتعبير، راهنية أسئلة من قبيل دور المنتخب والمعين… كل هذا يصب في تأكيد أن الحكومة القادمة لن تكون الا نسخة شبيهة بالحكومة الحالية، وعليه من العادي وجود تشاؤما وعزوفا سياسيا يليه عزوف انتخابي (العزوف الانتخابي طبعا يناقض منطق الدافع عن الحرية والديموقراطية، وعلى عكسه لا بد من فهم الواقع الحالي وبعدم وجود أي عرض سياسي جديد متكامل يستجيب لتطلعات الشعب وأولوياته).



اراء القراء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زوابع و توابع

كورونا ومناعة الدولة

متلازمة كورونا كأصعب أزمة أظهرت المناعة الحقيقية لأي دولة في العالم، فالدولة تستطيع الصمود ببنية قوية وسليمة كلما كانت متمتعة بوعي حقيقي لحكامها، وصدق يسري في عروق سادتها، ونبض متصل...

كورونا الاقتصادية

كورونا متلازمة حادة خنقت أنفاس الاقتصاد، وأفقدت أنوف المترسملين الإحساس بشم منتوجاته الطبيعية، والتهب حلق العاجزين من نقد تصنيع الكماليات، وقلة انتاج المواد الأساسية، واشتداد الحاجة إلى ضخ دماء جديدة...

السيد كورونا الإرهابي

سنعاني هذه الأيام مع من يتشبثون بالحقائق المطلقة ويبخسون الأبحاث العلمية، وسنتألم ممن ينكرون حكمة الأقدار ويؤمنون بزيف الأخبار … وسنندهش من تناقض أفكار العلماء، وسنحير من تضارب عواطف الشعراء...

الاقتصاد في حكومة العثماني

تحرير : عبد اللطيف بلكرينة التعديل الحكومي الأخير يكرس التداخل بين القطاعات وامكانية تبديد الجهود بين الوزارات حول تحديد الاختصاصات بينها والمثال اللافت للنظر هو المجال الاقتصادي حيث نجد في...

(مشاهدة المزيد)

كتاب و آراء

عشر ملاحظات حول البرنامج الحكومي من زاوية نقابية

أنس الدحموني، فاعل نقابي تفاعلا مع التصريح الحكومي الذي قدمه بالأمس السيد رئيس الحكومة أمام ممثلي الأمة، لابد من تقديم بعض الملاحظات الجوهرية من وجهة نظر نقابية: 1- غياب للمقاربة...

ما يفزع كبرنات الجزائر

بلال التليدي بشكل مفاجئ وبدون سابق تمهيد، أقدمت السلطات الجزائرية أول أمس الأربعاء على إغلاق مجالها الجوي في وجه الطائرات المغربية المدنية والعسكرية، بما في ذلك الطائرات المدنية التي تحمل...

المجلس الوطني للصحافة يخرق بلاغا اصدره فيما يخص منح البطاقة المهنية واحتقان لدى الصحفيين الممارسيين

تناقض صارخ ذاك الذي يعتمل داخل أروقة المجلس الوطني للصحافة، فيما يخص آليات ومعايير منح البطائق المهنية، ومزاجية ملحوظة تسجل لدى الساهريين على سياقة هذا الإطار المخضبة جدرانه بالبيروقراطية التي...

أي أمل في الحكومة القادمة؟

محمد الجهبلي  طالب باحث في العلوم الإقتصادية منذ فجر الاستقلال لم يتمكن أي حزب مترجمة مطالب الشعب والمجتمع الى واقع يتمتع به كافة المواطنين، برفع القدرة الشرائية وتقوية الاستهلاك للطبقة...

(مشاهدة المزيد)

استفتاء