عاجل

إفريقيا تنادي المغرب.. والبوليساريو توقع على شهادة وفاتها

الأحد 29 يناير 2017 | عبد الرزاق أمدجار

إفريقيا تنادي المغرب.. والبوليساريو توقع على شهادة وفاتها

إدريس شحتان
دقت ساعة الحسم، وارتفع مؤشر اليقظة إلى مستوى غير مسبوق، إعلانا عن استعداد المغرب الكامل لدخول منظمة الاتحاد الإفريقي، من بابها الواسع.. لقد برهن المغاربة، من خلال النقاش المفتوح حول عودة المغرب لهذه المنظمة، بعد مقاطعته لها لأزيد من 32 سنة، عن نضج كبير وتفهم لمتطلبات المرحلة التي تفرض التواجد القوي في هذه “الدار الإفريقية” التي كان المغرب من مؤسسيها الأوائل.. وفهموا أن المعركة التي يخوضها المغرب ضد خصوم الوحدة الترابية من خارج “الدار”، لابد وأن تدور رحاها في داخلها، مادام أن أكثر من ثلثي سكانها يعترفون اليوم بأن البوليساريو ابن غير شرعي، أو بالأحرى لقيط تورطت في حمله الجزائر، لتتحايل على بعضهم قبل أكثر من ثلاثة عقود من أجل الاعتراف به درءا للفضيحة.. لذلك، يقف المغاربة اليوم وقفة رجل واحد، للعودة سريعا إلى هذه المنظمة، من أجل كسب رهان قضيتهم الأولى ودق آخر مسمار في نعش هذا الكيان الذي يخدم بالوكالة المشروع التوسعي للجزائر في المنطقة.. إنه الإجماع الوطني الذي يحقق عند كل منعطف حاسم للمملكة استثناءه الجميل، ما يجعل المغاربة علامة فارقة بالمنطقة كأكثر الشعوب حبا وتشبثا بالوطن.
والواقع، أنه بالرغم من هذا الحب، ثمة قلة قليلة جدا في الداخل، تجهل المغزى الأساسي الذي جعل المغرب يقدم على خطوة العودة إلى الاتحاد الإفريقي، ما أدى ببعضهم إلى التساؤل لماذا العودة الآن بالضبط؟ وما محل التحفظ من مسألة الحدود الموروثة عن الاستعمار الذي وضعه المغرب قبل دخوله لهذه المنظمة سنة 1963 من الإعراب الآن؟ ويبدو أن حدة التساؤل بلغت مستوى آخر، بعدما لاحظت هذه القلة القليلة جدا، أن أزيد من 40 بلدا إفريقيا يدعم المملكة في العودة لحضن الاتحاد.. وبالتالي، بمجرد إدراكها أن لغة الأرقام تخول للمغرب حمل عضوية الاتحاد حتى قبل دخوله الرسمي، تساءلت، بنفس النبرة التي يحاول ترويجها الخصوم والأعداء، هل إذا عاد المغرب إلى الاتحاد، وهي عودة أكيدة بطبيعة الحال، هل سيقبل بالجلوس مع البوليساريو تحت سقف واحد؟ وحتى إذا جلس إلى جانبه، هل يعني ذلك اعترافا صريحا به ككيان قائم الذات؟
وحتى نساهم في رفع اللبس الحاصل عند هذه الفئة القليلة جدا، أرى أن المغرب أبان عن ذكاء خارق، عندما وضع تحفظا حول مسألة الحدود الموروثة عن الاستعمار أثناء دخوله لمنظمة الوحدة الإفريقية سنة 1963.. فالمغرب، كان وقتها لا يعتبر حدوده الموروثة هي حدوده الطبيعية، وبالتالي، لو لم يضع هذا التحفظ آنذاك، لما كان بإمكانه أن يسترجع أراضيه المغتصبة من قبل الاستعمار، ولقيل له عند كل خطوة للمطالبة بحقه في استعادة جزء من أراضيه إن “الحدود التي خلفها الاستعمار هي حدودك الطبيعية”.. لهذا، كان هذا التحفظ الموضوع سنة 1963 مفتاحا لاسترجاع المغرب مدينة سيدي إفني سنة 1969، وتوقيعه اتفاقية إفران مع الجزائر حول الحدود بينهما في السنة ذاتها، واسترجاع الأقاليم الجنوبية سنة 1975، واستعادة واد الذهب سنة 1979… وبالتالي، فمغرب 2017 لم يعد مشكل الحدود مطروحا عنده، كما لم تعد له مطالب ترابية، سواء شرقا أو جنوبا، مادامت حدوده الطبيعية كما هو متعارف عليها دوليا تمتد من طنجة إلى الكويرة ومن شرق الجزائر إلى المحيط الأطلسي. أما بالنسبة لمدينتي سبتة ومليلية المحتلتين وباقي الجزر المستعمرة، فهي لاتهم الاتحاد الإفريقي، لاعتبار بسيط، هو أنه كلما أثير الموضوع حولها على مستوى الاتحاد الأوربي والأمم المتحدة، يضع المغرب حولها تحفظا، على أمل استرجاعها مستقبلا. لذلك، لم تبق مسألة التحفظ واردة عند المغرب، مادام قد استكمل وحدته الترابية، باستثناء المغتصبتين، سبتة ومليلية وباقي الجزر المستلبة.
أما بالنسبة لـ”اللبس” الحاصل عند بعض “الذين في قلوبهم زيغ” حول إمكانية جلوس المغرب إلى جانب البوليساريو تحت سقف الاتحاد، وهل يعد هذا الجلوس اعترافا للمغرب بالبوليساريو؟ ممكن أن نقول لهؤلاء، إن هذه الأسئلة لا تختلف كثيرا عن الأخرى التي تروجها الجزائر من أجل ترسيخ الاعتقاد داخليا أن الجلوس في حد ذاته مدخل للتطبيع.. وهذا خطأ فادح ينم عن جهل متأصل. إذ لو كان جلوس المغرب إلى جانب البوليساريو يعتبر فعلا اعترافا للأول بالثاني، فلماذا تحاول الجزائر ومن معها بكل الوسائل المتاحة لهم عرقلة عودة المغرب للاتحاد الإفريقي؟ ثم أليست محاولات الخصوم اليائسة من أجل وضع العصا في العجلة، دليل على أن دخول المملكة لهذا الاتحاد، يعتبر تهديدا حقيقيا لاستمرار خرافة البوليساريو؟ إذن ليس هناك اعتراف ولا هم يحزنون.
ولكي نضع كثيرا من النقط على الحروف، وجب التأكيد، على أن جل الخبراء في العلاقات الدولية، يعرفون بحكم التخصص، أن الاعتراف بين الدول لا يكون اعترافا إلا إذا خضع لمساطر قانونية ودبلوماسية وطنية. أي أن يكون الاعتراف قانونيا من خلال تبادل الوثائق بشكل مباشر، ما يعني بشكل رسمي أن دولة تعترف بدولة.. بينما الاعتراف الدبلوماسي الوطني، فيتم من خلال تبادل السفراء والزيارات بين الدول. وفي هذه الحالة، لا يعني أن المغرب إذا جلس إلى جانب البوليساريو في منظمة ما أنه اعترف به، لسبب بسيط هو عدم وجود أي اعتراف به، لا قانونيا ولا دبلوماسيا. وفي ذلك أمثلة كثيرة، إذ إن عددا من الدول العربية والإسلامية، كالسعودية وإيران وغيرهما لا يعترفون بإسرائيل كدولة، لكنهم يجلسون إلى جانبها في الجمعية العامة للأمم المتحدة.. فهل هذا الجلوس اعتراف بهذا الكيان؟ أبدا لا يمت للاعتراف بأية صلة كما يقول فقهاء العلاقات الدولية.
إن المشكل الآن ليس فقط بين المغرب والبوليساريو، بل أيضا مع دول كثيرة في المنطقة.. ذلك أن عددا من البلدان الإفريقية لا تعترف بهذا الكيان الوهمي، كما أن دولا أخرى سحبت اعترافها به خلال السنوات القليلة الماضية، وعلى الرغم من ذلك فهي تجلس إلى جانبه بمنظمة الاتحاد الإفريقي منذ انسحاب المغرب منه سنة 1984. وبالتالي فهذا الجلوس لا يعني مطلقا أنها تعترف بالبوليساريو..
لقد تغيرت كثير من المعطيات الآن، ومرت مياه كثيرة تحت جسر الاتحاد طيلة 32 سنة.. وبالتالي يقول الواقع الحالي، إن مغرب الأمس كان مضطرا لمغادرة هذه المنظمة سنة 1984 بمبرر موضوعي، تمثل في عدم احترام المادة الرابعة من ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية، الذي ينص على أنه “لكل دولة إفريقية مستقلة وذات سيادة الحق في أن تصبح عضوا في المنظمة”. وعلى الرغم من كون البوليساريو ليست دولة ذات سيادة، وتعيش على أرض دولة أخرى، فقد تحايلت الجزائر على عدد من البلدان الإفريقية، من أجل الاعتراف بهذا الكيان غير الشرعي.. وبالتالي غادر المغرب هذه المنظمة وهو في موقف ضعف، حيث كانت 26 دولة آنذاك قد اعترفت بالبوليساريو.. بينما اليوم، فالمغرب يعود إلى هذه المنظمة وهو في موقع قوة، خاصة وأن أغلب الدول التي سبق واعترفت بالبوليساريو سحبت منها اعترافها اليوم. إذ لم تعد في صفها سوى 10 دول فقط أو أقل، وهي في حاجة فقط إلى الجلوس مع المغرب لتبديد سوء الفهم الحاصل بينهما. بدليل أنه مباشرة بعدما أعلن الملك محمد السادس في “كيغالي” الرواندية أن المغرب سيعود للاتحاد الإفريقي، حتى وقعت 28 دولة بالقارة السمراء على قرار طرد البوليساريو من حظيرة الاتحاد. وهكذا، فإن مشكل البوليساريو ليس حاصلا مع المغرب وحده، بل مع 28 بلدا إفريقيا، تعتبر هذا الكيان الآن، غير شرعي بالمطلق، وألا أساس لبقائه بينهم في هذه المنظمة.
إن أكثر من 40 دولة إفريقية اليوم، ترى كيف أصبح المغرب بفضل الدبلوماسية المثمرة للملك محمد السادس التي فعَّلها داخل إفريقيا، دولة ريادية تحمل أكثر من غيرها همّ القارة السمراء، وكيف أصبح الملك يلعب دور “المحامي” للدفاع عن مصالح إفريقيا في المنتديات الدولية، بل وكيف أصبحت إفريقيا حاضرة بقوة في أجندته الداخلية والخارجية.. والأكثر من ذلك، تفعيله للشراكات مع عشرات الدول الإفريقية في إطار التعاون جنوب-جنوب، ليصبح المغرب بفضل هذه الدبلوماسية المنفتحة والتضامنية، أول مستثمر في إفريقيا الغربية والثاني على مستوى القارة، مع حمله الرهان في أن يصبح الأول..
إن هذه الدينامية والفاعلية والقوة في التواجد دون الالتفات للخصوم، هو الذي جعل غالبية الدول الأعضاء بالاتحاد الإفريقي، يطلبون من الملك محمد السادس أن يواصل لعب أدواره على مستوى القارة، لكن هذه المرة من داخل المنظمة وليس من خارجها.. لذلك، سارعت 28 دولة إلى التوقيع على طرد البوليساريو منها، فيما أكثر من أربعين دولة إفريقية تساند المغرب الآن للعودة إلى حضن الاتحاد. وهذا ما يخيف الجزائر والموالين لها الآن، بالقدر الذي جعلها تنفذ أكثر من مخطط حتى لا يعود المغرب إلى هذا الاتحاد.. وبالتالي لو كانت هذه العودة، مقترنة ولو بنوع من أنواع اعتراف المغرب بالبوليساريو لما لجأت الجزائر إلى مخططات العرقلة. وهذا ما ينبغي على “الذين في قلوبهم زيغ” فهمه الآن.. لأن المغرب قرر أن يخوض معاركه بنفسه، لكن هذه المرة في معاقل الخصوم، دون أن يقوم بذلك وكلاء كما في السابق. وهذا نوع متقدم من سياسة الهجوم التي أعطت أكلها مع الخصوم… “سير عالله مربوحة إن شاء الله..” كما يقول أشقاؤنا الجزائريون..



اراء القراء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زوابع و توابع

حكم قضائي حول رئيس المحاسبين المعتمدين

صدر مطلع هذا الأسبوع حكم قضائي استئنافي قطعي برفض طلب حول الطعن في شرعية رئيس المنظمة المهنية للمحاسبين المعتمدين بالمغرب، ويأتي هذا الحكم من محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط لوضع حد...

انتحار التلاميذ

لازلنا نسمع حوادث انتحار عديدة للتلاميذ في المغرب بعد ظهور نتائج الامتحانات الاشهادية، وهذا ما تكرر هذه السنة بعد فشل بعض المتمدرسين في ساحات الحرب مع مناهج تعليمية وتربوية مليئة...

زوابع عربية

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا عِنْدَ مَوْطِنٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَوْطِنٍ...

زوابع ,المحاسبين

زوابع المحاسبين

خضعت وزارة المالية يوم الخميس الماضي لمطالب المهنيين في المحاسبة والفاعلين الاقتصاديين وذلك بإصدار دورية من المديرية العامة للضرائب تؤجل فيه تطبيق نص قانوني في قانون المالية 2016 إلى شهر...

(مشاهدة المزيد)

اسمانوخ

نجاة بلقاسم / حياة بلقاسم بين تحقيق واغتيال الأحلام

نجاة بلقاسم / حياة بلقاسم بين تحقيق واغتيال الأحلام

حياة بلقاسم ونجاة بلقاسم فتاتان مغربيتان كان لهما حضور قوي في الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في المغرب خلال السنوات الأخيرة، تجمع بينهما أوجه تشابه كثيرة، لكن مصير كل واحدة كان...

الامتحانات

الناجحون في الامتحانات هاد العام

هاد الليمات وأنا تنتسارا ف الفايسبوك بان ليا مجموعة ديال الدراري والدريات تيبقاوا مكونيطين ف الانترنيبت اكثر من عشرة ديال السوايع وقتما حليت الفايس طالعين ليه ف الراس… المشكلة هي...

الكارطة

حظك مع الكارطة

حظك مع الكارطة للشواف مهند الحربيلي ليوم السبت 14 نونبر 2015 مهند الشواف صاحب أكبر سر لعجائب الكارطة في حياتنا ومستقبلنا، وقد تعلم أسرار الحظ من الكارطة على يد الشوافة والحلايقية الروحانيين...

حظك مع الكارطة

مهند الشواف صاحب أكبر سر لعجائب الكارطة في حياتنا ومستقبلنا، وقد تعلم أسرار الحظ من الكارطة على يد الشوافة والحلايقية الروحانيين بمدينة مراكش،  ثم صقل موهبته من “قتيل القمارة”  المشعوذ...

(مشاهدة المزيد)

كتاب و آراء

اشملال يكتب : الاعتراف باللغة الأم اعتزاز بالهوية

لما كانت اللغة العربية هي لسان الوحي ولغة الرحمن في القرآن، فإنها بلا ريب ستظل لغة الزمان والمكان، فلا يضرها حقد الحاقدين، ولا ينقص من رفعتها ريب المرتابين، ولا يشينها...

الحيان يكتب : تطور قانون المسؤولية المدنية

من إعداد: الحيان رضوان منتدب قضائي بوزارة العدل وطالب باحث في ماستر القانون المدني الاقتصادي بكلية الحقوق السويسي بالرباط./ مملكة بريس تعتبر المسؤولية المدنية من أهم الموضوعات القانونية التي اهتم...

محمد أديب السلاوي يكتب …المغرب والفرانكفونية… إلى أين؟

بالنسبة لدول المغرب العربي، كما بالنسبة لمستعمراتها بإفريقيا وآسيا، صاغت فرنسا في وقت مبكر إيديولوجية متكاملة المعالم، تبلورت عبر الزمن إثر انهيار امبراطوريتها الاستعمارية أعقاب الحرب العالمية الثانية. وقد نضجت...

د.الدرداري يكتب : أية قيمة للإنسان في ظل تعارض المرجعيات الدينية والثقافية والقانونية للمجتمعات

بقلم الدكتور احمد الدرداري لكل مجتمع ثقافة ودين وقانون وضعي لكن الفرد يختار حسب قناعته المرجعية التي يراها تناسب نمط حياته واختياراته الفردية والأسرية وقد تكون جماعية .. وبالنظر الى...

(مشاهدة المزيد)

استفتاء

    • هل أنت مع إلغاء معاشات البرلمانيين؟

      النتائج