كتاب و آراء

الحيان يكتب : تطور قانون المسؤولية المدنية

الجمعة 12 أبريل 2019 | rachida essalhi


من إعداد: الحيان رضوان منتدب قضائي بوزارة العدل
وطالب باحث في ماستر القانون المدني الاقتصادي بكلية الحقوق السويسي بالرباط./ مملكة بريس

تعتبر المسؤولية المدنية من أهم الموضوعات القانونية التي اهتم بها الفقه والقضاء منذ بداية القرن العشرين ولا زال هذا الاهتمام في تصاعد مستمر نتيجة تجدد وتفاقم المخاطر التي يتسبب فيها الانسان بفعله أو فعل الأشياء التي في حراسته، فكما هو معروف فإن الثورة الصناعية أسفرت على تطور هائل في مجال التكنولوجيا الحديثة التي كان لها وقع جد فعال في تحقيق الآمال البشرية، من استقرار و شيوع للرفاه الاقتصادي و الاجتماعي غير أن هذا التطور بالقدر الذي أسعد الإنسان، فإنه بالمقابل كان مصدر إزعاج له نتيجة لكثرة المخاطر التي نجمت عن سوء استعمال هذه الآليات و المنشآت الصناعية ، فالآلة عادة ما تنطوي على قدر كبير من الخطر و غالبا ما يكون الإنسان أول ضحاياها و هذا ما نلمسه عن قرب من خلال نمو و تيرة المسؤولية البيئة و المسؤولية المدنية عن المنتوجات المعيبة وصولا إلى المسؤولية المدنية عن الأضرار النووية.
ما من شك أن خطورة المنتوجات على المستهلك تخلف أضرارا مزدوجة منها: ما يشمل الشق الجنائي كانت أضرارا مادية أو جسمانية أو معنوية، حيث تثار المسؤولية الجنائية للمنتج، فضلا عن مسؤوليته المدنية. غير أننا سنقتصر على المسؤولية الأخيرة، وهي تشمل شقين أحدهما تقصيري والآخر عقدي، خصوصا وأن مسؤولية المنتج عن منتوجاته الصناعية ذات طبيعة قانونية خاصة، تفرض معرفة مدى إمكانية تقرير البطلان من عدمه، في حالة الاستناد للعقد المبرم مع المنتج. فضلا عن إمكانية مطالبته بالتعويض، وحالات إعفائه أو انتقاص مسؤوليته. وفي ذلك مراعاة أولا لوضعية المتضرر من مختلف المنتوجات الصناعية، والتي نتجت عن المنافسة بين المشاريع الاقتصادية المختلفة، وثانيا مراعاة لوضعية المنتج في الحالات التي تنتفي أو تتقلص مسؤوليته أو مسؤوليته كاملة وهو ما سيكون محط مناقشة في إطار هذا العرض.
ومع التطور التكنولوجي والتقدم الذي أحرزه العالم، لم يتمكن العالم من الحد من الأخطار المحيطة به، سيما تلك التي بدأت تتوالى مع الثورة الصناعية الحديثة، التي أظهرت قضايا متعددة من بينها القضية البيئية أو ما بات يعرف بالتلوث البيئي او الإضرار بالبيئة. وإدراكا من القانونيين لخطورة هذا الأمر بدأ الفقه القانوني يهتم بالدراسة القانونية في هذا المجال وهو ما يجعلها حديثة بالنسبة لباقي فروع القانون الأخرى.
إن ما وصلت إليه المسؤولية المدنية من تطور في الوقت الحاضر في مختلف الأنظمة القانونية المعاصرة لم يأتي دفعة واحدة بل ترسخ عبر مراحل تاريخية متتالية، مما يجعلنا نتساءل حول تأثير التطورات الاقتصادية على قانون المسؤولية المدنية؟
وعليه سنقسم هذا الموضوع إلى مبحثين على الشكل التالي:
المبحث الأول: تطور المسؤولية العقدية وتأثير بعض القوانين الحديثة.
المبحث الثاني: تطور المسؤولية المدنية البيئة والنووية كنموذج للمسؤولية التقصيرية.

المبحث الأول: تطور المسؤولية العقدية وثأتير بعض القوانين الحديثة.
عرفت المسؤولية المدنية سواء أكانت عقدية أو تقصيرية تطورا هاما، بعد ما كان تضارب في الأفكار والخلط بينهما، أي وحدة المسؤولية وبينها وبين المسؤولية الجنائية الذي عرفه القانون الروماني مند القدم بالأخذ بفكرة العقوبة، كانوا أنداك لا يفرقون بين التعويض والعقوبة إلى أن صدر قانون “أكويليا” سنة 450 قبل الميلاد، ما يسمى بالقانون الألواح اثنا عشر، حيث جاءت فكرة التعويض دون الفصل بشكل دقيق بين نوعي المسؤولية المدنية.
وفي ظل هذا القانون منح للدائن أن يختار في هذه الحالة بين رفع دعوى قانون “أكويليا” وبين استعمال دعوى العقد الذي حصل الإخلال به
ومن هنا أتت فكرة الخيرة بين المسؤوليتين، وهناك ازدواجية المسؤولية وهذا ما أخدت به أغلبية شرائع العالم وقوانينه بتمييز بين نوعي المسؤولية، والذي هو موضوعنا بتركيز على المسؤولية العقدية (المطلب الأول) وتأثير القوانين الحديثة على المسؤولية العقدية (المطلب الثاني)
المطلب الأول: تطور المسؤولية العقدية
إن التمييز الدقيق الذي عرفته نوعي المسؤولية المدنية خلال مراحل تطورها يقتضي بنا معرفة الفروق، وذلك من خلال العلاقات التي تربط المتعاقدين ببعضهما عند الإخلال أحدهما بالالتزامات عقدية ، فالمسؤولية العقدية هي الحالة التي يخل فيها المتعاقد بالتزاماته تجاه الطرف الأخر ، وهذا الإخلال بالالتزام ينتج عنه تحقق الخطأ العقدي من طرف المتعاقد (الفقرة الأولى) الذي ينتج إلحاق الضرر بالطرف الأخر والعلاقة بينهما (الفقرة الثانية) مما يترتب إلزامية التعويض الضرر والخسائر سواء الإخلال بالعقد أو التأخر في تنفيذه.
الفقرة الأولى: الخطأ العقدي
يعتبر الخطأ العقدي شرطا أساسيا لقيام المسؤولية المدنية، وقد عرف هذا الشرط تطورا مهما من خلال اختلاف في مظاهر الإخلال بالتزام الذي ارتكبه المدين، وقد نص المشرع المغربي في الفصل 263 من ق ل ع على مظهرين الذي جاء فيه:
” يستحق التعويض إما بسبب عدم الوفاء بالالتزام، و إما بسبب التأخر في الوفاء به ” لكن هذا لا يبقى على سبيل الحصر، إلا أن هناك أشكال أخرى يتحقق فيها الخطأ العقدي مثلا : حالة تسليم البائع شيئا معيبا للمشتري وهو يعلم مسبقا بوجود هذا العيب حيث يتميز الخطأ بنوعين هما الخطأ العمدي و الخطأ الغير العمدي، وهذا الأخير ينقسم بحسب درجة الخطورة والتي تتمثل في الخطأ الجسيم، الخطأ اليسير، والخطأ التافه. وهذا ما ذهب إليه الفقه التقليدي.
حيث ذهب الاجتهاد القضائي في فرنسا منذ سنة 1938 شبه الخطأ الجسيم بالخطأ العمدي من أجل استبعاد الشروط المحددة أو المعفية من المسؤولية حينما يتعلق الأمر أيضا بالخطأ الجسيم ، أما الفقه الفرنسي كان له الفضل في بروز تحديد أخر للخطأ، يقوم على أساس التمييز بين الالتزامات بوسيلة، والالتزامات بغاية ، وهذا الأخير كمسؤولية الناقل بالأجر تتوافر المسؤولية عند عدم تحقق النتيجة، أما الالتزام بوسيلة كمسؤولية الطبية فالالتزام هنا يكون ببدل عناية اللازمة التي يتطلبها المجال الطبي.
إلا أن الرأي الغالب في الفقه المعاصر يذهب إلى نبد هذه التفرقة لعدم أهميتها، فالخطأ كيفما كان إلا ويعد سببا للمساءلة العقدية سواء كان جسيما أو على قدر جسامة أو تعلق الأمر بأخطاء الإهمال الناجمة عن التهاون واللامبالاة ،
فالمسؤولية العقدية تستلزم توافر أهلية الأداء التي يستلزمها القانون الموضوعي الذي يحكم التصرف، لأنه يرتكز على الإرادة، أما في المسؤولية التقصيرية فيكفي مجرد التمييز، بل أنه يمكن مسائلة غير المميز عن التعويض إذا لم يوجد مسؤول عنه، أو تعذر الحصول من المسؤول عن التعويض .
الفقرة الثانية: الضرر العقدي والعلاقة السببية
أولا: الضرر العقدي
عرف المشرع المغربي الضرر في الفقرة الأولى من الفصل 264 من ق ل ع ” الضرر هو ما لحق الدائن من خسارة حقيقية وما فاته من كسب متى كانا ناتجين مباشرة عن عدم الوفاء بالالتزام. وتقدير الظروف الخاصة بكل حالة موكول لفطنة المحكمة، التي يجب عليها أن تقدر التعويضات بكيفية مختلفة حسب خطأ المدين أو تدليسه، “فالضرر يعتبر ركنا جوهريا للمسؤولية العقدية حيث يترتب عليه التعويضات نتيجة الخطأ العقدي الذي ألحق به، فالتعويض هنا يكون نقدي دائما.
فالمسؤولية العقدية لا يكون التعويض إلا عن الضرر المباشر متوقع الحصول ، وأن يكون الضرر شخصيا طبقا للفصل 264 من ق ل ع وأن يكون الضرر القابل لتعويض محقق الوقوع، والضرر إما أن يكون مادي وهو الضرر الذي يمس الشخص في ذمته المالية و إما أن يكون الضرر المعنوي الذي في الغالب لا يطالب الدائن بالتعويض عن الضرر المعنوي إلا أن هذا الإشكال لقي نقاشا حادا على مستوى الفقه والقضاء، بعدما كان قد ساوى بين الضرر المادي والضرر المعنوي في مجال المسؤولية التقصيرية، غير أن القضاء فيما بعد تطور في اتجاه ليبرالي وأصبح يأخذ بعين الاعتبار الضرر المعنوي في تحديد التعويض المحدد في مجال المسؤولية العقدية .
ثانيا: العلاقة السببية
يعتبر وجود العلاقة السببية بين الخطأ و الضرر أمر ضروريا في جميع أنواع المسؤولية المدنية، بأن تحقق الخطأ ينتج عنه الضرر، ففي المسؤولية العقدية فإن عبء الإثبات العلاقة السببية يقع على عاتق الدائن الذي يطالب المدين بالتعويض عن الأضرار المترتبة عن الإخلال بالعقد .
ففي حالة العلاقة السببية من حيث الالتزامات بغاية والالتزامات بوسيلة هذا الأخير فإن عبء الإثبات العلاقة السببية بين الخطأ و الضرر يبقى على عاتق الدائن باعتباره هو المدعي ، وهذا ما نص عليه الفصل 399 من قانون الالتزامات والعقود الذي جاء فيه ” إثبات الالتزام على مدعيه ” أما من حيث الالتزامات بغاية فيكفي على الدائن إثبات عدم تحقق النتيجة المرجوة.
المطلب الثاني: تطور المسؤولية المدنية للمنتجات المعيبة.
يتميز التنظيم القانوني للمسؤولية المدنية عن المنتجات المعيبة بجديته وذلك نتيجة حداثة موضوع المسؤولية ذاتها، الشيء الذي نناقشه في الفقرتين التاليتين.
الفقرة الأولى: أساس المسؤولية المدنية للمنتجات المعيبة.
اواخر القرن 19 وبداية القرن 20 عرف انطلاقة اقتصادية جديدة الشيء الذي زاد من المخاطر إثر انتشار الآلات الميكانيكية هذا الانتشار والتوسع يزيد من نسبة المتضررين جراء هذا الاستعمال وعلى المتضررين أن يقدموا الدليل على الخطأ لنيل التعويضات وهي القاعدة العامة للمسؤولية المدنية .
فرغم التطور الذي عرفته نظرية الخطأ فإن الواقع العلمي أبان عن قصور المسؤولية المدنية القائمة على الخطأ في توفير الحماية التي تتطلبها مستلزمات الحياة العصرية المتسمة بالخطر ولقد ظهر هذا القصور في استيعاب فداحة الأضرار حسب الأستاذ “روني سافانتيه” على المستوى الإقتصادي ومستوى الإنصاف والمستوى العلمي.
صحيح أن التطور حقق للإنسان رفاهية لا يمكن إنكارها؛ لكن في المقابل لا يمكن تجاهل الأضرار التي تسببها المنتجات المعيبة بسبب هذا التطور ومن هنا وفي ظل قصور القواعد العامة في القانون المدني الفرنسي من عدم توافر الحماية المرجوة للمستهلك، فقد نادي المشرع الأوربي بضرورة تحقيق نظام موحد المسؤولية عن فعل المنتجات المعيبة من أجل ترسيخ حماية موحدة للمستهلك.
ذلك ما جعل بعض الفقهاء اللجوء لبديل خطا ليعوض هذا النقص لتحقيق العدالة للمتضررين وذلك عبر نظرية المخاطر التي ظهرت بمناسبة قانون حوادث الشغل وفكرت الخطر المهني حيث كل النشاط يمكن أن ينتج ضررا بالغير يكون صاحبه مسؤولا عنه، إذا ما تسبب هذا النشاط في إيقاع ضرر بالغير ولو كان سلوكه غير مشوب بأي خطأ بمعنى اخر، لا يشترط أن يكون الضرر ناشئ عن انحراف في سلوك المنتج حتى يلزم بالتعويض إنما يكفي أن يكون الضرر قد وقع نتيجة نشاطه .
وبالتالي فأساس هذه النظرية هو الضرر ولا تقيم أي وزن للخطأ فالعبرة بالضرر لذي لحق الضحية والذي يجب جبره، أي إذا حدث ضرر فإن العدالة تقتضي أن يتحمل كل فرد نتائج أعماله. بالإضافة لمذاهب أخرى تؤيد فكرة أن الخطأ لم يعد اساس المسؤولية المدنية حيث أن التقدم الإقتصادي السائر ساهم في ظهور التامين كجهة قادرة على تحمل مبالغ التعويض: النظرية التي اخذ بها المشرع المغربي .
إذا كانت المسؤولية المدنية لا تقوم إلا بتوفر عنصر الضرر، فإن مسؤولية المنتج لا تخرج عن هذا الإطار إلا أنها تمثل تطور جديد في المسؤولية المدنية لا تقوم الا بتوفر عنصر الضرر فان مسؤوليه المنتج لا تخرج عن هذا الإطار الا انها تمثل تطورا في المسؤولية المدنية، يتحدد نطاقها بوضع تنظيم جديد للأضرار التي تتسبب فيها المنتجات الحديثة، ألا وهي الاضرار.
إلا أن المشرع المغربي أصدر مؤخرا مجموعة من القوانين كلها ذهبت في اتجاه حماية المضرور كقانون حماية المستهلك والقانون الخاص بالمسؤولية المدنية لمستغل المنشآت النووية؛ وأخيرا القانون رقم 09- 24 المتمم لقانون الالتزامات والعقود والمحدث لمسؤولية المنتج عن فعل منتجاته المعيبة .
فلتحديد الطبيعة القانونية لمسؤوليه المدنية للمنتجات المعيبة تم الجمع بين اتجاهين: فالأول يعتبرها مسؤوليه ذات طبيعة عقدية ومنهم من يعتبرها مسؤولية تقصيرية أما الثالث يجمع بين الاثنين لتحقيق المساواة بين المتضررين سواء كانت تربطهم علاقة عقدية أو لا وهو الاختيار الأنسب نظرا لقيام المنتجات المعيبة على التزام أساسي بالسلامة.
يعتبر القانون رقم 09 -24 الذي يتطرق الى مسؤولية المنتج أو المستورد، بعد أن كان هناك فراغ تشريعي كبير دفع بعض الفقهاء والقضاء إلى إقامة مسؤولياتهما سابقا على أساس مسؤولية حارس الشيء وكانوا يكيفونها على أنها حراسة قانونية ليست فعلية ومادية لكن هذا القانون وضع حد لهذه الاضرابات وينص الفصل 106 -1 ق.ل.ع المعنون بالمسؤولية المدنية الناجمة عن المنتجات المعيبة على ما يلي:” يعتبر المنتج مسؤولا عن الضرر الناتج عن عيب في منتوجه” .
الفقرة الثانية: عناصر المسؤولية المدنية للمنتجات المعيبة.
عالج المشرع المغربي اساس مسؤولية المنتج وعناصرها في المادة 106-7 من قانون الالتزامات والعقود. حيث نجدها تنص على انه “يجب على الضحية لاستحقاق التعويض اثبات الضرر الذي لحقه من المنتوج المعيب ” فمتى ثبت ضرر للضحية نتيجة منتوج معيب الا وتقررت مسؤولية المنتج واستحق المضرور التعويض . فالملاحظة الاساسية هنا هي ان المشرع المغربي حافظ على عناصر المسؤولية التقليدية الثلاثة وهي: الخطأ المتمثل في العيب والضرر والعلاقة السببية بينهما وسنتطرق لكل عنصر على حدة.
اولا: ضرورة وجود عيب بالمنتوج.
ويُقصد بالعيب، حسب الفصل 106-3 ما يلي: “ينطوي منتوج على عيب عندما لا يتوفر على السلامة التي من المعقول توخيها منه وذلك أخذا بعين الاعتبار كل الظروف، ولا سيما:
– تقديم المنتوج.
– الاستعمال المرتقب من المنتوج.
– وقت عرض المنتوج في السوق”.
وبالتالي، وحسب هذا الفصل، فإن المنتوج يعتبر منتوجا معيبا في حالة كان غير صالح للاستهلاك بسبب فساده أو سُمّيّته حتى ولو لم يكن الأجل المبين على التغليف كتاريخ لانتهاء صلاحية المنتوج قد حل (الظرف المتعلق بالاستعمال المرتقب من المنتوج) أو إذا كان المنتوج لا زال معروضا في السوق ولم يُسحَب عند حلول أجل انتهاء صلاحيته (الظرف المتعلق بوقت عرض المنتوج في السوق). وبالتالي فإن الشركة المنتجة، أو الشخص –الاعتباري أو الطبيعي- المستورد لهذا المنتوج، يتحمل المسؤولية الكاملة إذا كان المنتوج غير منتهي الصلاحية لكنه فاسد أو سام. أما إذا كان المنتوج منتهي الصلاحية وقت شراء الضحية له، فإن المسؤولية هنا تتوزع (تشطير المسؤولية) بين الشركة المنتجة للمنتوج أو الشخص المستورد له من جهة، وبين الضحية من جهة أخرى، لأن الخطأ في هذه الحالة يسمى في الفقه ب: “الخطأ المشترك”.
وبالرجوع الى المادة 5 من قانون 24.09 نجدها تعرف المنتوج السليم بكونه ذلك المنتوج الذي لا يشكل أي خطر وفق شروط الاستعمال العادية او التي كان من المعقول توقعها بما في ذلك مدة الاستعمال وعند الاقتضاء شروط التشغيل والتركيب والحاجة الى الصيانة او يشكل فقط اخطارا محدودة تتلاءم مع استعمال المنتوج وتعتبر مقبولة في إطار التقيد بمستوى عال من الحماية لصحة وسلامة الاشخاص او الحيوانات الاليفة او الممتلكات او البيئة.
فالملاحظ هو ان العيب الذي نص عليه المشرع المغربي في المادة 549 من قانون الالتزامات و العقود و المتعلق بضمان العيوب الخفية في الشيء المبيع .ليس هو العيب المنصوص عليه في المادة 106-3 من نفس القانون و لا حتى في القانون رقم 24.09 .فالعيب في هذا الاخير يتعلق بإخلال المنتج بالالتزام العام بالسلامة الملقى على عاتقه .
فالعيب الذي يقيم مسؤولية المنتج ليس فقط هو ذلك الذي يصيب المنتوج في ذاتيته وينقص من قيمته ومنفعته بل هو ذلك الذي لم يوفر السلامة المتطلبة قانونا.
والالتزام العام بالسلامة الملقى على عاتق المنتج هو التزام قانوني يجد اساسه في مقتضيات المادة 4 من قانون 24.09 التي جاء فيها “يلزم منتجو ومستوردو المنتوجات وكذا مقدمو الخدمات بالا يعرضوا في السوق الا المنتوجات او الخدمات السليمة كما هي معرفة طبقا لأحكام هذا الباب”
فمفهوم العيب في المنتوج قد يتجاوز الجانب التقني-المتمثل في ضمان اداء المنتوج لوظائفه بصورة صريحة الى توفير الحماية اللازمة في اقصى صورها وهذا يعني ان كل تقصير في ضمان عدم احداث المنتوج قد يعتبر عيبا فيه.
لتحديد معنى العيب نجد المشرع الفرنسي ينص في المادة 1386-4 من القانون المدني الفرنسي بالقول “المنتوج يكون معيبا في نظر هذا القانون عندما لا يستجيب للسلامة المرغوبة قانونا”
فالمشرع الفرنسي بدوره يعتبر المنتوج معيبا عندما يشكل خطرا ويهدد السلامة العامة وهو مقتضى سبق وان اقره في القانون 83-660 المتعلق بسلامة وأمن المستهلكين من خلال المادة 221-1. لذا فالعيب في مفهوم المادة 1386-4 والذي من شانه ان يعقد مسؤولية المنتج هو العيب الذي يؤدي الى انعدام السلامة ويعرض مستعمل المنتوج للخطر سواء تعلق الامر بالسلامة الجسدية والسلامة العقلية.
ثانيا: حصول الضرر.
لم يحدد المشرع المغربي ما المقصود بالضرر في القانون 09-24 مما يتعين معه الرجوع الى المقتضيات العامة لتحديد مضمونه ونطاقه.
وبالرجوع لقانون الالتزامات والعقود نجده يعرف الضرر في المادة 98 بالباب المتعلق بالمسؤولية التقصيرية بالقول “الضرر في الجرائم واشباه الجرائم هو الخسارة التي لحقت المدعي فعلا والمصروفات الضرورية التي اضطر او سيضطر الى انفاقها لإصلاح نتائج الفعل الذي ارتكب اضرارا به وكذلك ما حرم منه من نفعه في دائرة الحدود العادية لنتائج هذا الفعل ”
فالمنتج وحسب القواعد العامة للمسؤولية التقصيرية يكون مسؤولا عن تعويض الاضرار المادية سواء اصابت المضرور في جسده ترتبت عنها اما وفاته او اصابته بجروح او عجز او تشويه او التي اصابت امواله وممتلكاته؛ كما يكون مسؤولا عن تعويض الاضرار المعنوية التي اصابت المضرور من جراء الالام التي المت به او تلك التي اصابت ذويه في حالة وفاته وهذا ما عبر عنه المشرع المغربي في المادة 106-10 بالقول ” يجب على الشخص المسؤول اصلاح كل الاضرار التي تعرضت لها الضحية ”
غير ان المشرع الفرنسي نجده يشترط في التعويض عن الاضرار المادية التي تلحق اموال المضرور ان يكون المال المتضرر مخصصا للاستهلاك الخاص او يستخدم في اغراض تجارية او في ممارسة نشاط حرفي او مهني ؛ كما يستثني من التعويض هلاك المنتوج المعيب ذاته وهذا ما نص عليه من خلال المادة 1386-2 من القانون المدني الفرنسي التي تنص على انه “ان احكام هذا الباب تسري على الضرر الناشئ عن المساس بالشخص او بمال اخر غير منتوج المعيب نفسه”.
ثالثا: العلاقة السببية بين العيب والضرر.
كما هو عليه الامر في كل صور المسؤولية يتعين على المضرور ان يثبت العلاقة السببية بين الخطأ – والمتمثل في العيب- والضرر وبذلك يتعين على المتضرر من المنتوج المعيب ان يثبت العلاقة بين الضرر الذي صابه والعيب الموجود بالمنتوج؛ فعبء الاثبات ملقى على عاتق الضحية المضرور وهو ما عبرت عنه صراحة المادة 106-7 من قانون الالتزامات والعقود بعبارة اثبات الضرر الذي لحقه من المنتوج المعيب.
وحماية أكثر للضحية؛ استخلص الفقه في فرنسا قرينتين بشأن العلاقة السببية تتعلق الاولى بافتراض وجود العيب لحظة إطلاق المنتوج للتداول وهو ما نص عليه المشرع الفرنسي في نص المادة 1386-11 بالقول ” لا يجوز للمنتج التمسك بأسباب الاعفاء الواردة في الفقرات 4 و5 من المادة 10؛ إذا كان المنتج ورغم ظهور العيب في اجل عشر سنوات بعد عرض المنتوج في التداول لم يقم باتخاذ التدابير الازمة للوقاية من اثاره الضارة”.
واما الافتراض الثاني فيتعلق بإطلاق المنتوج بإرادة المنتج وذلك وفقا لما قضت به المادة 1386-5 من القانون المدني الفرنسي حيث جاء فيها “يعرض المنتوج للتداول عند تخلي المنتج بصفة ارادية عنه ولا يكون المنتوج محلا الا لعرض واحد للتداول”.
الفقرة الثالثة: المسؤولية المدنية للمنتج عن فعل منتجاته المعيبة.
هناك مجموعة من الالتزامات التي فرضها المشرع المغربي على منتجي ومستوردي المنتوجات او مقدمي الخدمات والتي خصص لها الباب الخامس ونذكر منها: مقتضيات الفصل 27 من نفس القانون.
ويتبين على ان المشرع المغربي وضع التزام عام بالسلامة كيفما كان المنتوج او الخدمة اذ يمكن من مراقبة كل المنتجات او الخدمات التي تمس بسلامة المستعملين.
تعتبر المسؤولية الكاملة هي الاصل، فمتى اثبت المتضرر حصول الضرر والعلاقة السببية القائمة بينه وبين العيب الا وكان المنتج متحملا للمسؤولية ومطالبا بإصلاح كل الاضرار التي تعرضت لها الضحية حسب المادة 106 من قانون الالتزامات والعقود.
كما يعتبر المشرع المغربي ان المسؤولية تكون قائمة اتجاه الضحية حتى وان وقع الضرر بسبب وجود الغير الذي ساهم فيه بمقتضى المادة 106-12 من قانون الالتزامات والعقود التي تنص على “انه لا تنقص مسؤولية المنتج اتجاه الضحية بسبب وجود الغير الذي يساهم في وقوع الضرر” ليكون بذلك المشرع قد خالف التوجه الذي استقر عليه الفقه والقضاء من خلال اعتبار فعل الغير سببا اجنبيا قادرا على اعفاء المدعى عليه إعفاء كاملا من المسؤولية اذا كان هو السبب الوحيد في حصول الضرر، او إعفاء جزئيا اذا ساهم الى جانب عوامل اخرى يكون لها دورا في حصول الحادث وتحقق الضرر .
وبهذا المقتضى يكون المشرع قد ميز بين خطا المتضرر وخطا الغير، حيث يعتبر الاول مؤثرا على مسؤولية المنتج كليا او جزئيا بالمقابل لم يتبنى نفس النهج ازاء مساهمة الغير في احداث الضرر اللاحق بالضحية .
وعليه، يمكن القول ان قانون رقم 24.09 اراد حماية الضحية لان المنتج يمكنه الرجوع على الغير الذي ساهم في وقوع الضرر ولكن بعد تعويضه له، هذا فضلا على ان المشرع المغربي يعتبر ان المنتج يكون مسؤولا عن العيب حتى وان صنع المنتوج في اطار احترام كل القواعد والمقاييس الموجودة ورغم حصول المنتج على ترخيص اداري حسب تعبير المادة 106-8 من قانون الالتزامات والعقود .
من خلال المادة 106-11 من قانون الالتزامات والعقود بالقول” يمكن ان تنقص مسؤولية المنتج او تلغى مع مراعاة كل الظروف إذا كان السبب ناتجا في ان واحد عن عيب في المنتوج وخطا الضحية، او شخص يكون الضحية مسؤولا عنه”
فمتى ثبت ان الضرر كان ناتجا عن عيب في المنتوج واقترن بخطأ الضحية المتضرر فان مسؤولية المنتج تتأثر اما بالنقصان او الانتفاء وتستدعي هذه القاعدة فرضيتين وهما.
الاولى ان يستغرق خطا المتضرر عيب المنتوج وهنا تنتفي مسؤولية المنتج تماما.
الثانية ان يشترك خطا المتضرر والعيب الوارد في المنتوج في احداث الضرر وفيها تنقص مسؤولية المنتج بمدى مساهمة الضحية في احداث الضرر اللاحق به، وتخضع نسبيا لمساهمة كل الطرفين كما تخضع للسلطة التقديرية للقاضي الذي يشطر المسؤولية بينهما.
وخلافا لهذه القاعدة فان مسؤولية المنتج تنقص إذا كان خطا الشخص الذي يكون الضحية مسؤولا عنه او تلغى حسب الاحوال وتدخل هذه الحالة ضمن المسؤولية عن فعل الغير.
أولا: انتفاء مسؤولية المنتج
عالج المشرع هذه الاسباب في المادة 106-9 من ق.ل.ع لكن بشرط اثباتها، وهي كالتالي:
1/ انه لم يقم بعرض المنتوج في السوق.
2/ ان العيب الذي تسبب في الضرر لم يكن موجودا اثناء عرضه للمنتوج في السوق اي انه ظهر لاحقا
3/ ان المنتوج لم يتم صنعه بهدف البيع او اي شكل اخر من اشكال التوزيع لأغراض تجارية ولم يتم صنعه او توزيعه في إطار نشاطه التجاري
4/ ان العيب راجع لمطابقة المنتوج للقواعد الالزامية الصادرة عن السلطات العمومية
5/ انه لم يكن ممكنا اكتشاف العيب بالنظر الى ما وصلت اليه حالة المعرفة العلمية والتقنية اثناء عرض هذا المنتوج في السوق
هذا الى جانب الحادث الفجائي والقوة القاهرة التي سكت المشرع عن تنظيم احكامها وبالتالي فبقيت خاضعة لأحكام ق. ل.ع.
ثانيا: اشتراط الاعفاء من مسؤولية المنتج.
وعيا من المشرع المغربي بالشروط التعسفية التي قد يلجا المنتج الى تضمين العقد لها والتي تعفيه او تنقص من مسؤوليته مستغلا بذلك سلطته الاقتصادية، نص في المادة 106-13 على عدم امكانية اعفاء المنتجين مما يعني ان المشرع جعل المشرع التقليص منها معتبرا تلك الشروط باطلة الا ان هذا البطلان يقتصر على الشروط فقط مع بقاء العقد صحيحا.
من خلال ما سبق حاول المشرع في قانون 09 -24 المتعلق بسلامة المنتجات المعيبة تحقيق نوع من الموازنة بين مصالح الطرفين، المصلحة العامة والاقتصادية، التي تتكرس في حماية المنتج، واعتبارات العدالة التي تسعى الى عدم التضحية بمصالح الافراد المضرورين أو ضحايا عيوب المنتجات.
وتميز القانون الجديد بتحديد صفة المسؤول المدني على مستوى الفصول 106-1 و106-5 و106-6 لكنه ليس بجديد إذ يمكن استقاؤه من أحكام الفصل 88 من ق.ل.ع الذي يعتبر فصلا متقدما لأنه وسع من نطاق المسؤول المدني حيث استعمل تعبير” كل شخص” ولم يكبده إلا فكره الحراسة من مادية إلى قانونية ، فنجد أن هذا الفصل فيه حماية اكثر من قانون 09 -24 وشدد من مسؤولية المنتج حيث تنتفي مسؤولية إلا بإثبات السبب الأجنبي المتمثل في القوة القاهرة و خطأ المضرور وأنه فعل ما كان ضروريا لتجنب هذا الضرر على اعتبار أن مسؤولية مفترضة في هذا الاطار. أما القانون 09-24 فقط نص على موانع خاصة لانتفاء مسؤولية المنتج فهذه الموانع تعد تراجع في تصدير المسؤولية على المنتج، وبالتالي فيها إهدار لحقوق المضرورين، كما أنها تشكل حماية للمنتجين حيث يمكنهم التخلص بسهولة من المسؤولية الملقاة على عاتقهم بإثبات هاته الموانع، وبالتالي فهو لم يقرر ضمانات للمضرورين في مسألة الاثبات.
لكن رغم ذلك فلو كانت المراجعة واعية لاكتفينا بما هو متضمن في قانون الالتزامات والعقود، لأنه يوفر الحماية المطلوبة للمضرورين واستغنينا عن التعديلات الجزئية الوقتية
أما في (المبحث الثاني) فسنحاول الوقوف عند تطور المسؤولية المدنية البيئة والنووية كنموذج للمسؤولية التقصيرية.
المبحث الثاني: تطور المسؤولية المدنية البيئة والنووية كنموذج للمسؤولية التقصيرية
إن نظام المسؤولية المدنية بوجه عام عرف تطورا مهما، نتيجة التحولات الاقتصادية والاجتماعية الهائلة التي عرفها المجتمع في النصف الثاني من القرن الماضي وبداية هذا القرن، والتي أدت بطبيعة الحال إلى تحول مهم في المفاهيم الأساسية للمسؤولية المدنية، لاسيما بالنسبة لبعض المجالات والقطاعات ذات الخصوصية المفرطة، بالنظر لما نتج عنها من تهديد لمقومات المجتمع المتحضر، إن على مستوى سلامته الجسدية، التي تبقى أقدس حق على الإطلاق، أو على مستوى ممتلكاته وأمواله التي تعتبر عصب الحياة .
ولعل من أهم المجالات التي عرفت تحولات خطيرة، وكان لها تأثير واضح على الإنسانية بوجه عام، تلك المتعلقة باكتشاف واستعمال الطاقة النووية؛ حيث تزايد الاهتمام بهذه الأخيرة في العديد من الأنشطة الصناعية والطبية، بل بالنظر أيضا لكونها مصدرا مهما من مصادر الطاقة؛ الأمر الذي سينتج عنه بالضرورة تزايد المخاطر المحذقة بجميع الأشخاص المحيطين بهذه الأنشطة؛ كل هذه الاعتبارات، جعلت مختلف التشريعات الحديثة تولي اهتماما خاصا في العقود الأخيرة لهذا المجال، عن طريق وضع العديد من القوانين الخاصة بقواعد المسؤولية المدنية عن الأضرار النووية (المطلب الثاني).
بل إن تزايد الاهتمام الدولي بالعديد من الأنشطة الصناعية، أدى إلى تزايد المخاطر المرتبطة بالمجال البيئي، ولعل ظاهرة الاحتباس الحراري والتغييرات المناخية واستنزاف طبقة الأوزون، و تدهور الغطاء النباتي و نفوق الأسماك والكائنات الحية، وازدياد الملوحة في المياه الجوفية، وارتفاع نسب التلوث في مياه الأنهار والبحار والمحيطات؛ كل ذلك وغيره من الظواهر التي برزت بسبب التعامل السيء للإنسان مع البيئة في العصر الحديث، كان له انعكاسات سلبية بطبيعة الحال على الأشخاص، من خلال إحداث أضرار متنوعة ومتعددة تسمح لهؤلاء المتضررين من رفع دعاوي المسؤولية المدنية عما لحقهم من أضرار مادية و معنوية (المطلب الأول).
المطلب الأول: تطور قواعد المسؤولية المدنية في مجال التلوث البيئة.
تعتبر المسؤولية التقصيرية من أهم مظاهر المسؤولية المدنية على الإطلاق، فالتعايش الاجتماعي يفرض على الأفراد احترام الضوابط التي يقوم عليها هذا التعايش كاحترام حقوق الغير وعدم التعدي على ممتلكاتهم وأي إخلال بهذا النظام إلا ويحمل صاحبه تبعات هذا الإخلال .
إن المسؤولية التقصيرية تقوم على أركان ثابتة لا بد من تحقيقها وإثباتها حتى يمكن إثارة هذا النوع من المسؤولية، وتتمثل هذه الأركان في ضرورة توافر الخطأ والضرر ورابطة السببية ، وهي أمور يصعب في كثير من الأحيان إثباتها بصدد حالات التلوث البيئي، الأمر الذي يجعل هذا النوع من المسؤولية يقف في كثير من الأحيان عاجزا عن إنصاف المضرورين من التلوث البيئي . وقد حاول الفقه والقضاء توسيع مفهوم الخطأ في المسؤولية التقصيرية بل والتساهل في إثباته في محاولة للأخذ بهذا النوع من المسؤولية في المجال البيئي .
كما نص المشرع المغربي في المادة 3 من القانون رقم 11.03 المتعلق بحماية واستصلاح البيئة على أن البيئة: مجموعة العناصر الطبيعية والمنشآت البشرية وكذا العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تمكن من تواجد الكائنات الحية والأنشطة الإنسانية وتساعد على تطورها. ”
أما في القانون المقارن فنجد أن المشرع الفرنسي اعتمد مصطلح الطبيعة عوض مفهوم البيئة، حيث أشار إلى ذلك في المادة 2 من قانون 10 يوليوز 1976 المتعلق بحماية الطبيعة؛
أما المشرع المصري فقد نص من خلال المادة الأولى من قانون شؤون البيئة رقم 4 لسنة 1994، على أن : “البيئة هي المحيط الحيوي الذي يشمل الكائنات الحية وما يحتويه من مواد وما يحيط بها من هواء وماء وتربة وما يقيمه الانسان من منشآت.”
نفس التوجه عبر عنه المشرع الاردني حيث جاء في المادة الثانية من قانون حماية البيئة؛
أن البيئة: “هي المحيط الحيوي الذي يشمل الكائنات الحية وما يحتويه من مواد وما يحيط بها من هواء وماء وتربة وتفاعلات أي منها وما يقيمه الانسان من منشآت. ”
ويتفق الجميع بأن تنظيم المجال البيئي أصبح من الأولويات المطروحة على جميع التشريعات وذلك للعديد من الاعتبارات، لعل أهمها تزايد المخاطر الناتجة عن تهديد المحيط البيئي ؛ كما أن خطر البيئة ينبع أساسا من خصوصيته المعقدة، والتي تتمثل أساسا في صعوبة إثبات الضرر البيئي ومصدره بل نسبة هذا الضرر أو الخطر إلى شخص معين باعتباره المسؤول الفعلي عن تعويض الأضرار الناتجة عن التلوث البيئي.
من جهة أخرى، فإن النظام العام للمسؤولية مبني أساسا على احترام الحقوق الخاصة وليس الحقوق الجماعية؛ في حين أن العديد من عناصر البيئة، من قبيل مياه المجاري والأودية والحيوانات المتوحشة، لا تعتبر ملكيات خاصة ولا يمكن أن تكون كذلك؛ بل هي أموال عامة .
ومن ثم، فإن قواعد القانون المدني التقليدي أصبحت غير ملائمة للاعتبار السالف الذكر، مادام أنه، ليست له المصلحة الكافية والمقنعة التي تجعله يلجأ إلى المطالبة بالتعويض عن هذه الأضرار البيئية التي تمس مجموع مكونات المجتمع. الأمر الذي دفع مختلف التشريعات الحديثة إلى تبني مفاهيم جديدة للمسؤولية المدينة البيئية، لحماية ضحايا الأضرار سواء على مستوى أساسها (الفقرة الأولى) أو على مستوى القواعد المستجدة التي تؤطر هذا النوع من المسؤولية (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: دور المسؤولية الموضوعية في حماية ضحايا الأضرار البيئية.
أن تحول مختلف التشريعات العالمية عن الأساس القانوني للمسؤولية المدنية البيئية، يرجع إلى العديد من العوامل، في مقدمتها الانعكاسات السلبية التي أصبح يحدثها التلوث البيئي في مجتمعنا المعاصر، لا سيما في ظل التطور الصناعي المذهل، وما ينتج عن ذلك من أضرار فادحة تلحق بالصحة، في ظل عدم قدرة القواعد القانونية العامة في حماية ضحايا أضرار التلوث البيئي .
إضافة لذلك، فقد تبين لهذه التشريعات بأن الاعتماد على القواعد التقليدية للمسؤولية المدنية لم يعد كافيا، لتغطية كل الأضرار الناشئة عن التلوث البيئي، في ظل الصعوبات التي تواجه النظرية الشخصية للمسؤولية المدنية، لاسيما على مستوى إثبات علاقة السببية بين الأخطاء والأضرار البيئية، مادام أن هذه الأخيرة لا تظهر في الغالب إلا بعد وقت طويل. فالأضرار اللاحقة بعناصر الطبيعة، وصحة الإنسان، من الصعب قياسها في غالب الأحيان، كما لا تبرز إلا بعد مرور سنوات من الفعل الضار .
لقد اصبح الاهتمام منصبا على دراسة محاور المسؤولية التقصيرية أكثر من أي وقت مضى ويرجع السبب في ذلك لعدة اعتبارات قانونية واقتصادية واجتماعية، إذ أن هناك عوامل متعددة ساهمت بشكل إيجابي في تطور أحكام هذه المسؤولية، كالمخاطر المترتبة عن استعمال الآلات والتكنولوجيا الحديثة.
والمسؤولية في طابعها التقليدي تقوم على مبدأ عدم الاضرار بالغير، وتتأسس على العناصر الثلاثة : الخطأ، الضرر، والعلاقة السببية بين الخطأ والضرر.
أما على مستوى تنظيم المسؤولية المدنية البيئية فأن المشرع المغربي نظمها مؤخرا بفعل العديد من المؤثرات الداخلية والدولية؛ فجعل أساسها مبني على الضرر، أي بغض النظر عن توفر عنصر الخطأ؛ وهو ما يطلق عليه بالمسؤولية الموضوعية، وذلك بغية تمكين الضحايا من حصولهم على التعويض متى أصيبوا بأضرار معينة.
لقد جاء في المادة الأولى من القانون رقم 11.03:
“يهدف هذا القانون إلى وضع القواعد الأساسية والمبادئ العامة للسياسة الوطنية في مجال حماية البيئة واستصلاحها. وترمي هذه القواعد والمبادئ إلى الأهداف التالية:
-……………
-…………….
-…………..
– وضع نظام خاص بالمسؤولية يضمن إصلاح الأضرار البيئية وتعويض المتضررين.”
لقد خصص المشرع المغربي الفصل الأول من الباب السادس من هذا القانون لتناول النظام الخاص بالمسؤولية المدنية، حيث أفرد له المواد من 63 إلى 68؛ حيث صاغ المشرع المغربي مبدأ المسؤولية الموضوعية بشكل واضح ، وبما لا يترك مجال للشك والريبة انطلاقا من المادة 63 من القانون رقم 11.03، التي جاء فيها ما يلي: “يعتبر مسؤولا، دون الحاجة إلى إثبات خطأ ما كل شخص مادي أو معنوي يخزن أو ينقل أو يستعمل محروقات أو مواد مضرة وخطيرة، وكذا كل مستغل لمنشأة مصنفة كما يحددها النص التطبيقي لهذا القانون، تسببت في إلحاق ضرر جسدي أو مادي له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بممارسة الأنشطة المشار إليها أعلاه” .
بمعنى، أنه يكفي المتضرر البيئي، إثبات تعرضه للضرر ودون حاجة إلى إثبات الخطأ الذي حصل من محدث الضرر البيئي. وهذا أمر منطقي في نظر أستاذنا عبد الرحمان الشرقاوي؛ لاعتبارات متعددة، لعل أهمها، أن الأخطاء البيئية يصعب على المتضرر إثباتها، كما أن الأضرار البيئية هي أضرار غير اعتيادية وبحاجة إلى نصوص خاصة تنظمها بشكل مختلف عن القواعد العامة للمسؤولية المدنية، التي تجعل المسؤولية مبنية على الخطأ.
غير أن هناك العديد من الصعوبات التي لا زالت تواجه تطوير قواعد المسؤولية البيئية؛ في مقدمتها الضغط الذي يمارسه أصحاب المشاريع الاقتصادية الكبرى من أجل حماية مصالحهم؛ الأمر الذي يؤدي في الغالب الأعم إلى وضع قواعد قانونية كفيلة بتحقيق حماية فعالة للبيئة من مختلف الأضرار المحذقة بها.
ولعل من أهم آثار هذا التأثير على المشرع المغربي، يمكننا الوقوف على مقتضيات المادة 64 من القانون رقم 11.03، التي جاء فيها ما يلي: ” يمكن للشخص الذي تقع عليه مسؤولية إصلاح الضرر المذكور في المادة 63 أن يطلب تحديد مسؤوليته في مبلغ إجمالي عن كل حادثة. ويحدد هذا المبلغ بمقتضى نص تنظيمي” .
بالإضافة لأهمية الأضرار البيئية وتشعب مخاطرها، بل وصعوبة تفادي النتائج المرتبة عنها في الكثير من الأحيان وتعويضها من قبل المتسببين فيها، فإن مختلف التشريعات الوضعية الحديثة، عملت على تفريد هذا النوع من المسؤولية بقواعد قانونية خاصة ومستجدة كما سنرى في الفقرة الموالية.
الفقرة الثانية: القواعد المستجدة لحماية ضحايا الأضرار البيئية.
إن الاعتبارات التي تم الإشارة لها في بداية هذا المطلب، كانت كفيلة بدفع التشريعات الحديثة إلى وضع قواعد قانونية خاصة من أجل أن تلاءم مع ظاهرة الأضرار البيئية؛ ولعل من أهمها، القاعدة الاقتصادية التي تقضي بأن الملوث يؤدي (أولا)، والمسؤولية التضامنية عن الأضرار البيئية (ثانيا)، وأخيرا إحداث صندوق وطني خاص بحماية واستصلاح البيئة (ثالثا).
أولا: مبدأ الملوث يؤدي.
لقد تبين لمختلف المتهمين بالشأن البيئي بأن قواعد المسؤولية المدنية الواردة في إطار النظرية العامة، وخاصة أحكام نظرية التعسف في استعمال الحق، غير كافية، في غالب الأحيان، لضمان تعويض الأضرار البيئية. فالإثبات وغياب اعتبارات الأضرار الإيكولوجية في أولويات التشريعات، تبقى من أهم الصعوبات التي تواجه تعويض ملائم لأضرار الناتجة عن الأنشطة البيئية .
ومن من، فقد ظهر المبدأ الاقتصادي القاضي بأن الملوث يؤدي في سبعينات القرن الماضي. وقد بزر البداية وبشكل أساسي في النظام الأمريكي؛ وبوجه عام، فقد عرف تطورا مهما في باقي دول العالم بعد لقاء استكهولم لسنة 1972، كما هو الشأن بالنسبة للقانون الفرنسي والقانون المغربي.
فالرجوع للقانون رقم 11.03، نجد المشرع المغربي قد نص على هذا المبدأ كإحدى القواعد العامة والأساسية لهذا القانون، وذلك بمقتضى المادة الثانية منه، التي جاء فيها ما يلي: “يرتكز تنفيذ أحكام هذا القانون على المبادئ العامة التالية:
– …………؛
– تفعيل مبدأ ‘المستعمل المؤدي’ ومبدأ ‘الملوث المؤدي’ في إنجاز وتدبير المشاريع الاقتصادية والاجتماعية وتقديم الخدمات”.
وقد أعطى هذا المبد أنفسا لوضع أنظمة خاصة جديدة للمسؤولية المدنية لأضرار البيئية. بل إن هذا المبدأ، كما ذهب لذلك بعض الفقه، ساهم إلى حد كبير في اعتماد قاعدة المسؤولية المدنية بدون خطأ وأيضا عي اعتماد صناديق للتعويض ممولة من قبل الملوثين المستقبليين .
غير أن مبدأ الملوث لا يعني أنه مبدأ تعويض أو إصلاح الأضرار الناتجة عن التلوث فكل ما هنالك أن هذا المبدأ يفرض على الملوث أداء تكلفة التدابير الوقائية من التلوث، والمحددة من قبل السلطات العامة.
مما يعني، أن هذا المبدأ يعطي للدولة دورا أساسيا ومحوريا في تطبيقه، حيث ينبغي الرجوع إليها لمعرفة الحد الأدنى المسموح به من الأضرار البيئية، وأيضا من أجل تحديد التدابير التي ينبغي اتخذها لاحترام الحد الأدنى.
إن مبدأ التلوث، ليست فكرة جديدة عن النظم القانونية؛ فهي تشبه إلى حد بعيد القاعدة المعروفة في الفقه الإسلامي والتي تقضي بأن الغرم بالغنم؛ مادام أن الغاية منه هي أن ن يقوم بتلويث البيئة عليه أن يقوم بإصلاحها.
يمكننا أن نستشف من هذه القاعدة أمر آخر، وهو أن استعمال الموارد الطبيعية لم يعد أمرا مجانيا بشكل مطلق، حيث بدأ يتم التخلي عن هذا المفهوم بشكل تدريجي، عن طريق تحميل ملوث هذه الموارد ضرورة إصلاح ومعالجة الأضرار التي أحدثها نتيجة هذا الاستعمال المضر، حتى ولم لم يكن قد ارتكب تهورا أو خطأ تقصيريا، طبقا لقواعد المسؤولية المدنية التقليدية.
ثانيا: قاعدة المسؤولية التضامنية في المجال البيئي.
من أجل توفير المزيد من الضمانات للمتضررين من المخاطر البيئية، فإن إقرار قاعدة التضامن عن الأضرار البيئية، تبقى أحد الآليات المهمة، التي تستطيع من خلالها التشريعات الحديثة، الحد من المخاطر البيئية، لاسيما في ظل الصعوبات الكبيرة التي تواجه الضحية في تحديد المتسبب الفعلي أو إثبات التواطؤ في جانب محدثي الضرر.
ولقد نص المشرع على قاعدة المسؤولية التضامنية في بعض النصوص الخاصة المتعلقة بالبيئة؛ فقد تطرق لها في المادة 34 من القانون المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها، والتي جاء فيها ما يلي: “كل شخص طبيعي أو معنوي يودع أو يستودع نفايات خطرة لدى شخص طبيعي أو معنوي غير مرخص له بذلك يعد مسؤولا بالتضامن مع هذا الشخص عن الأضرار الناجمة عن هذه النفايات” .
ثالثا: إحداث صندوق وطني خاص بحماية واستصلاح البيئة.
إن طبيعة الأضرار البيئية، جعلت التشريعات الحديثة تفرد لها مجموعة من القواعد القانونية التي تسعى إلى حماية المتضررين المحتملين؛ كما عملت هذه التشريعات على خلق بعض المؤسسات الكفيلة بالمساعدة على تحقيق تلك الغايات؛ ومن الصندوق الوطني الخاص بحماية واستصلاح البيئة.
وقد نص عليه المشرع المغربي بمقتضى المادة 60 من القانون رقم 11.03، التي جاء فيها ما يلي: “ينشأ صندوق وطني خاص واستصلاح البيئة. ويحدد بموجب نص تطبيقي الإطار القانوني لهذا الصندوق ومهامه ومواده ونفقاته”.
كما بينت المادة 62 من هذا القانون، على أن موارد هذا الصندوق تستعمل لتمويل التدابير التحفيزية المنصوص عليها في هذا القانون وبصفة استثنائي لتمويل المشاريع النموذجية البيئية والتجريبية. بمعنى، أن الغاية الأساسية من إحداث هذا الصندوق هو توفير المزيد من الحماية الوقائية للمتضررين المحتملين من الأخطار البيئية .
أما على مستوى توجه المملكة المغربية في تنظيم المسؤولية المدنية الناتجة عن الأضرار النووية كنموذج للمسؤولية التقصيرية، فيأتي من منطلق تزايد الاهتمام العلمي بالطاقة النووية، خاصة مع بداية السبعينات التي شهدت تصنيع الطاقة النووية المدنية، حيث تم إطلاق عشرات المواقع في جميع أنحاء العالم، ووصل بدء تشغيل ذروته في الثمانينيات، وعمد المغرب في بدايات اهتمامه بمجال النووي إلى وضع التشريعات الخاصة بالاستخدامات الخفيفة للطاقة النووية، وعليه سنحاول توضيح الطابع الموضوعي للمسؤولية المدنية عن الأضرار النووية، والوقوف عند القواعد المستجدة لحماية ضحايا الأخطار النووية (المطلب الثاني).
المطلب الثاني: تطور قواعد المسؤولية المدنية النووية.
تعتبر المسؤولية المدنية في إطارها التقليدي نظاما قانونيا بمقتضاه يتحمل الفرد مسؤولية الإخلال بواجباته ، استنادا إلى الفصلين (77 و78 ق.ل.ع)، وبما أن هذه المسؤولية ترتكز على فكرة الخطأ، فإن تبنيها في نطاق الأخطار النووية التي تتصف بخصائص تختلف عن الأخطار التقليدية، يطرح صعوبة أو استحالة بخصوص إثبات الخطأ رغم الضرر الحتمي والأكيد الذي قد يصيب المضرورين .
لذلك استقر الفكر القانوني على ضرورة الأخذ بنظرية المسؤولية المطلقة والمتمثلة في أن من يستغل منشأة أو مشروعا وينتج عن ذلك مخاطر استثنائية، فعليه أن يتحمل تبعة ما يصيب الغير من ضرر بسببها، ولو لم يتوفر أي خطأ يمكن إسناده إلى مستغل المنشأة ولو كان يمارس نشاطه بكيفية مشروعة.
ويثير الأساس الموضوعي لمسؤولية المستغل النووي، تساؤلا هاما حول مدى ضرورته، هل هو أمر حتمي لا غنى عنه؟ خاصة في ظل تقلص مستمر ومتزايد لفكرة الخطأ نظرا للتقدم الصناعي والتكنولوجي الهائل الذي يجتاح عالمنا المعاصر، مما أفرز معه ظهور أخطار جديدة تقف إزاءه المسؤولية الخطئية في صورتها التقليدية موقف العاجز.
وهذا ما يجسد الطابع الموضوعي للمسؤولية المدنية عن الأضرار النووية وهو ما سنحاول الوقوف عنده في (المطلب الأول)، ثم الطرق إلى أهم القواعد المستجدة لحماية ضحايا الأخطار النووية (المطلب الثاني).
الفقرة الأولى: الطابع الموضوعي للمسؤولية المدنية عن الأضرار النووية.
يقصد بالمسؤولية المدنية النووية، التزام بالتعويض يفرضه القانون على مشغل المنشأة التي تمارس نشاطا نوويا يؤدي إلى إلحاق أضرار مادية أو معنوية بالأشخاص والأموال .
بالنظر لطبيعة هذه المخاطر وصعوبة إثبات الأخطاء المحدثة للأضرار الناتجة عنها، فإن مختلف التشريعات الحديثة جعلتها مسؤولية موضوعية، كما هو الشأن بالنسبة للمشرع المغربي؛ فبالرجوع إلى القانون رقم (12.02) ، نجده تناول طبيعة المسؤولية في 11 مادة، و في المواد من 3 إلى 14؛ والتي تتلخص في كونها مسؤولية موضوعية، لا تتوقف على إثبات الخطأ كما يتضح لنا من هذه مراجعة بعد المقتضيات نذكر منها :
 حسب المادة 3: لا يتحمل أي شخص سوى الجهة المستغلة لمنشأة من المنشآت النووية مسؤولية ضرر نووي.
 حسب المادة 4: تتحمل الجهة المستغلة لمنشأة من المنشآت النووية مسؤولية كل ضرر نووي يقع بسبب حادث نووي في المنشأة المذكورة.
 ……..إلخ.
إن تبني المشرع النووي؛ الدولي والوطني، لمبدأ المسؤولية الموضوعية، وجعل منه قاعدة عامة تقوم عليه مسؤولية مستغل المؤسسة النووية في مواجهة الغير المضرور، كان حتميا نظرا للانتقادات الشديدة التي تعرضت لها فكرة المسؤولية الخطئية في ذاتها، فأصبحت هذه الأخيرة لا تصلح البتة أساسا للمسؤولية المدنية النووية، ذلك أن الصعوبات الشديدة التي تكتنف هذه المسؤولية تبلغ ذروتها في مجال إثبات العناصر المكونة لها، هذا الإثبات الذي يبدو تحقيقه، في معظم الأحوال عسيرا، نتيجة لاعتبارات عديدة، منها ما يتعلق بالمنشأة النووية ذاتها و طبيعة و نطاق المخاطر التي قد تنشأ عن تشغيلها من جهة و منها ما يرتبط، من جهة أخرى، بطبيعة الضرر النووي ذاته الذي يمكن أن تسفر عنه هذه المخاطر.
إن اختيار مبدأ الموضوعية جاء نتيجة لصعوبات الإثبات التي تواجه المضرور أثناء مطالبته بالتعويض، ما جعل المشرع النووي يستبعد مفهوم الخطأ من نطاق المسؤولية النووية لكي يرفع عن كاهل المدعي عبء الإثبات .
كما حدد المشرع مجموعة من الاستثناءات الواردة على المسؤولية المدنية النووية في المواد من 15 إلى 18 من القانون رقم (12.02).
إن جعل المسؤولية المدنية النووية، مسؤولية موضوعية، فرضته طبيعة الأخطار الناتجة عن المخاطر النووية؛ هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الانشغال بضمان حماية فعالة لضحايا الأضرار النووية؛ كل ذلك فرض على المنتظم الدولي من خلال الاتفاقيات الدولية إقرار مبدأ المسؤولية الموضوعية بناء على نظرية المخاطر .
وأقر المشرع المغربي مجموعة من المستجدات لحماية ضحايا الأخطار النووية في القانون رقم 12.02 (الفقرة الثانية).
الفقرة الثانية: القواعد المستجدة لحماية ضحايا الأخطار النووية.
من أجل مزيد من الحرص على سلامة المتضررين عمل المشرع المغربي على تضمين القانون رقم 12.02 مجموعة من المقتضيات الحمائية؛ يمكن أن نقف على أهمها، لا سيما ما يتعلق بإقراره لمبدأ المسؤولية التضامنية (أولا)، وفرض التأمين على المنشآت النووية (ثانيا)، وجعل مدة التقادم طويلة (ثالثا)، وإعطاء الاختصاص للمحكمة الإدارية بالرباط (رابعا).
أولا: إقرار مبدأ المسؤولية التضامنية.
اقتضت كفالة حقوق المضرورين من الحوادث النووية، إلزام المستغل النووي بالتأمين ضد المسؤولية المدنية عن الأضرار النووية، ذلك أنه لا قيمة للضمانات التي تهيئها المسؤولية الموضوعية المركزة للمستغل إذا أسفر وقوع الحادث النووي عن إعسار المستغل وعجزه عن الوفاء بحقوق المضرورين منهم، ومن تم، كان من الضروري أن تقترن هذه المسؤولية المحدودة بالتزام المستغل بتوفير ضمان مالي محقق لها .
وفي هذا الاطار تم إقرار مبدأ المسؤولية التضامنية، متى كان الضرر قد تسببت فيه عدة جهات مستغلة لمنشأة نووية؛ فقد ذهبت المادة الثامنة من القانون رقم 12.02 إلى أنه إذا وقع ضرر نووي تتحمل مسؤولية عدة جهات مستغلة لمنشأة نووية وتعذر تحديد حصة الضرر العائد لكل جهة تحديدا دقيقا، فإن هذه الجهات تتحمل جميعها وبالتضامن المسؤولية المذكورة، وذلك في مبلغ مسؤولية كل جهة كما تم التنصيص عليه في المادة 22 من هذا القانون .
ثانيا: إجبارية التأمين على المنشآت النووية.
طبقا للقوانين المعاصرة في أغلب الدول، والاتفاقيات الدولية، فإنها تحررت من المبادئ التقليدية؛ حيث تبنت إجبارية التأمين في التشريعات النووية. لذلك ألزم المشرع المغربي في القانون رقم 12.02 لمستغل النووي بتوفير ضمان مالي لتغطية مسؤوليته عن الأضرار التي تلحق بالغير، وذلك بمقتضى المادة 19 التي تنص على أنه:
“يتعين على كل جهة تستغل منشأة نووية أن تتوفر على تأمين أو أية ضمانة مالية أخرى وأن تضمن استمرارها، وذلك في حدود مبلغ مسؤوليتها المدنية عن كل حادث…” ولتعزيز ذلك، ربط حصول المنشآت النووية على ترخيص بضرورة تقديم ما يثبت توفرها على تغطية مسؤوليتها في مجال الأضرار النووية، ة يترتب على كل مخالفة لهذه المقتضيات، إمكانية توقيف اشتغال المنشأة وأيضا جزاءات زجرية .
ثالثا: التحديد الزمني للمسؤولية المدنية عن الأضرار النووية ” التقادم ”
يقصد بالتقادم استنادا إلى مقتضيات الفصل 371 من قانون الالتزامات والعقود المغربي على أنه:” التقادم خلال المدة التي يحددها القانون يسقط الدعوى الناشئة عن الالتزام”، ورغم أن المشرع المغربي لم ينص على مقتضيات خاصة بالتقادم في مجال البيئة إلا بعد صدور لقانون رقم 12.02 المتعلق بالمسؤولية المدنية في مجال الأضرار النووية، حيث تم وضع إطار قانوني لهذا النوع من التقادم، وذلك من خلال المادة 31 منه. وقد أجات الاتفاقيات النووية للتشريع الوطني أن يحدد مدة التقادم لا تقل عن ثلاثة سنوات طبقا للفقرة الثالثة من المادة السادسة من اتفاقية فيينا، وذلك اعتبارا من اللحظة التي علم فيها المضرور بالضرر الذي لحقه وبشخص المستغل المسؤول عنه .
لذلك لا تبدأ مدة هذا التقادم في السريان إلا منذ اللحظة التي يتوافر فيها علم المضرور بالضرر الذي أصابه وشخصية المستغل المسؤول عنه، حيث تكتسب هذه المدة، تبعا لذلك، طابعا شخصيا لا موضوعيا.
وحسنا فعل المشرع المغربي، حينما عمل على رفع مدة التقادم، انسجاما مع أحكام الاتفاقيات الدولية في هذا الصدد لكون هذه الأضرار لا تظهر آثارها غالبا إلا بعد مدة طويلة .
وبهدف تعزيز حماية ضحايا الأخطار النووية فإن الفقرة الأخيرة من المادة 31، ذهبت إلى
أنه يمكن لكل شخص أكد تعرضه لضرر نووي وأقام دعوى قضائية للحصول على تعويض خلال الأجل المعمول به بموجب هذه المادة أن يعدل طلبه الأصلي عند تفاقم الضرر، ولو بعد انقضاء هذا الأجل، ما لم يصدر حكم قضائي يحوز قوة الشيء المقضي به.
رابعا: مبدأ وحدة الاختصاص القضائي.
خرج المشرع النووي الغربي في القانون رقم 12.02 المتعلق بالمسؤولية المدنية عن الأضرار النووية عن القواعد العامة الاختصاص المكاني التي عالجها قانون المسطرة المدنية، حيث ذهب إلى تحديد الاختصاص المحلي للمحكمة الابتدائية بالرباط في نظر دعوى المسؤولية المدنية عن الأضرار النووية، بغض النظر عن موطن المدعى عليه (المستغل النووي أو الضامن)؛ وبغض النظر عن مكان وقوع الحادث النووي، فلا مكان لتطبيق قواعد الاختصاص التي نص عليها قانون المسطرة المدنية على الدعاوي التي تتعلق بالمسؤولية عن الأضرار النووية .
أما بخصوص الاتفاقيات الدولية، فقد أقرت مبدأ وحدة القضاء بين أطراف الاتفاقيات، فوفقا اتفاقية باريس واتفاقية فيينا فإنه، كقاعدة عامة، تكون المحكمة المختصة بنظر النزاع هي محكمة مكان الحادث دون غيرها إذا وقع الحادث على إقليم دولة عضو في الاتفاقية، أما اتفاقية بروكسيل لسنة 1962، فقد قررت المادة العاشرة منها ترك الخيار للمدعي يختار محكاكم دولة علم السفينة النووية المسؤولة أو محاكم الدولة التي و قع فيها الضرر، و تماشيا مع وحدة القضاء التي كفلتها هذه الاتفاقيات فقد ضمنت القوة التنفيذية للأحكام النهائية الصادرة من المحاكم المختصة و ذلك داخل الدول المتعاقدة.

إن توحيد الاختصاص القضائي يحقق مزايا عديدة؛ فإعماله يؤدي إلى تيسير الإجراءات وتوفير للوقت والنفقات بالنسبة لجميع أطراف الدعوى، كما يضمن معاملة موحدة للمضورين من الحادث النووي الواحد، إضافة إلى ذلك، يسمح الاختصاص الانفرادي لمحكمة واحدة باحترام القيمة المالية القصوى المقررة للمسؤولية عن الحادث النووي، كما يتم تفادي احتمالات صدور أحكام متعارضة من جانب محاكم متعددة.

يبدو جليا من خلال هذا المقال أن موضوع المسؤولية المدنية عرف تطورا مهما من خلال
مجموعة من القوانين الحديثة وفي ضوء ما تقدم يمكن اقتراح بعض المقترحات الآتية:
بما أنه حاول المشرع من خلال نصوص القانون رقم 24.09 تحقيق نوع من الموازنة بين مصالح الطرفين، المصلحة العامة والاقتصادية، والتي تتكرس في حماية المنتج، واعتبارات العدالة التي تسعى إلى عدم التضحية بمصالح الأفراد المضرورين أو ضحايا عيوب المنتوجات؛ فنقترح إضافة بعض المقتضيات لهذا القانون كجعل المسؤولية تضامنية بين المنتجين سعيا نحو حماية الضحايا والتيسير عليهم من أجل اقتضاء حقهم في التعويض.

أما من خلال القانون رقم 11.03 فإن المشرع المغربي عليه ضرورة تطوير قواعد المسؤولية المدنية أكثر لتتلاءم مع الطبيعة الخاصة لأضرار التلوث ووجوب مساهمة القضاء من خلال أحكامه في إرساء مبادئ جديدة تقدم حلولا عملية لصور هذا النوع من الأضرار، وعليه فإنه يجب تطويع قواعد المسؤولية المدنية لتستجيب لهذه الطبيعة الخاصة لأضرار التلوث البيئي دون التمسك بالقواعد التقليدية للمسؤولية.
وعليه فإننا نقترح سن تشريع يفرض ضرائب بيئية أو رسوم على الأشخاص الذين يتسببون في تلويث البيئة.
أما من خلال القانون رقم 12.02 فنقول على أن يجب إعادة النظر في الأساس القانوني الذي تقوم عليه المسؤولية المدنية النووية، وإدخال مسؤولية الناقل باعتباره طرفا أساسيا في مجال الاستعمالات النووية؛ كما أن إقرار هذا القانون لوحدة الاختصاص المحلي قد تؤدي إلى الإضرار بالمركز القانوني لضحايا الحوادث النووية، مما يجعلنا نطالب بتبني قواعد الاختصاص المحلي المتعارف عليها في قانون المسطرة المدنية.

 



اراء القراء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زوابع و توابع

حكم قضائي حول رئيس المحاسبين المعتمدين

صدر مطلع هذا الأسبوع حكم قضائي استئنافي قطعي برفض طلب حول الطعن في شرعية رئيس المنظمة المهنية للمحاسبين المعتمدين بالمغرب، ويأتي هذا الحكم من محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط لوضع حد...

انتحار التلاميذ

لازلنا نسمع حوادث انتحار عديدة للتلاميذ في المغرب بعد ظهور نتائج الامتحانات الاشهادية، وهذا ما تكرر هذه السنة بعد فشل بعض المتمدرسين في ساحات الحرب مع مناهج تعليمية وتربوية مليئة...

زوابع عربية

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا عِنْدَ مَوْطِنٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَوْطِنٍ...

زوابع ,المحاسبين

زوابع المحاسبين

خضعت وزارة المالية يوم الخميس الماضي لمطالب المهنيين في المحاسبة والفاعلين الاقتصاديين وذلك بإصدار دورية من المديرية العامة للضرائب تؤجل فيه تطبيق نص قانوني في قانون المالية 2016 إلى شهر...

(مشاهدة المزيد)

اسمانوخ

نجاة بلقاسم / حياة بلقاسم بين تحقيق واغتيال الأحلام

نجاة بلقاسم / حياة بلقاسم بين تحقيق واغتيال الأحلام

حياة بلقاسم ونجاة بلقاسم فتاتان مغربيتان كان لهما حضور قوي في الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في المغرب خلال السنوات الأخيرة، تجمع بينهما أوجه تشابه كثيرة، لكن مصير كل واحدة كان...

الامتحانات

الناجحون في الامتحانات هاد العام

هاد الليمات وأنا تنتسارا ف الفايسبوك بان ليا مجموعة ديال الدراري والدريات تيبقاوا مكونيطين ف الانترنيبت اكثر من عشرة ديال السوايع وقتما حليت الفايس طالعين ليه ف الراس… المشكلة هي...

الكارطة

حظك مع الكارطة

حظك مع الكارطة للشواف مهند الحربيلي ليوم السبت 14 نونبر 2015 مهند الشواف صاحب أكبر سر لعجائب الكارطة في حياتنا ومستقبلنا، وقد تعلم أسرار الحظ من الكارطة على يد الشوافة والحلايقية الروحانيين...

حظك مع الكارطة

مهند الشواف صاحب أكبر سر لعجائب الكارطة في حياتنا ومستقبلنا، وقد تعلم أسرار الحظ من الكارطة على يد الشوافة والحلايقية الروحانيين بمدينة مراكش،  ثم صقل موهبته من “قتيل القمارة”  المشعوذ...

(مشاهدة المزيد)

كتاب و آراء

تسليع الرياضة بالمغرب سبب الاخفاقات

بقلم الدكتور أحمد الدرداري تبدو السياسة الرياضية وبالخصوص كرة القدم من أهم الرياضات المرتبطة بالجماهير الغفيرة المولعة بحب وتتبع البطولات والاقصائيات على مستوى كل القارات الخمس، بل تعتبر كرة القدم...

اشملال يكتب الانتحار بين الخيال و الحقيقة

الباحث حذيفة اشملال/ يكتب ما الانتحار إلا قتل الانسان نفسه وإزهاق روحه باستخدام وسائل تخدم الغرض، فمن النّاس من ينتحر ملقياً نفسه من ارتفاع شاهق، أو متناولًا مادّة سامّة تؤدّي...

“وراء الانتحار حياة رأسمالية بدون مقاصد”

بقلم الدكتور احمد الدرداري لقد أصبح موضوع الانتحار من المواضيع الغامضة في العالم وهو موضوع له أثر عميق ثقافيا واجتماعيا ويتخذ عدة صور وأشكال ويمس كل المجتمعات وكل الفئات العمرية...

أزمة استقرار الدول المغاربية فرصة للإرهابيين لشل قدراتها الأمنية

بقلم الدكتور احمد الدرداري رغم التدابير الامنية وغير الامنية لمحاربة الجريمة الارهابية فان الواقع يبين أن العالم المعاصر يعيش اليوم أزمة ثقة التي مردها الى أزمة المرجعيات والشرائع السماوية والتضارب...

(مشاهدة المزيد)

استفتاء

    • هل أنت مع إلغاء معاشات البرلمانيين؟

      النتائج