أخبار الشعب

بنشماس: حملة المقاطعة أربكت الحكومة إلى حد غير مسبوق

الثلاثاء 12 يونيو 2018 | عبد الرزاق أمدجار


حكيم بنشماس

يتيح التحليل المعمق للتحولات الديمغرافية والثقافية والسياسية الجارية في بنية المجتمع المغربي في ارتباطها بمتغيرات البيئتين الجهوية والدولية الوقوف على حقيقة تفقأ العين، إذ يمكن الجزم بأن ثمة “سلطة خامسة” قيد التشكل والتبلور، وهي في طريقها إلى أن تصبح سلطة قائمة بذاتها، لا تزاحم السلط الأربع المعروفة فقط، بل وتفرض عليها – جميعها – قائمة أولوياتها وجدول أعمالها.

ولعل ما يميز هذه السلطة الناشئة هو أساس تشكلها وقاعدتها العريضة، حيث إن حوالي 15 أو 16 مليونا من المواطنين المرتبطين بشبكة الأنترنيت، وهم في غالبيتهم الساحقة، حسب دراسات موثقة لمؤسسات وطنية، من فاقدي الثقة في الأحزاب والنقابات والبرلمان والحكومة، يجدون في العالم الأزرق، وفي منتديات التواصل الاجتماعي خصوصا، فضاءات مفتوحة للتعبير عن تطلعاتهم وانتظاراتهم.

وبغض النظر عن عدم وجود دراسة علمية دقيقة عن معنى انبثاق “سلطة خامسة” بالنسبة إلى حاضر ومستقبل بلد كالمغرب، يطمح إلى إحراز الانعطافة التاريخية الحاسمة عبر المرور من مرحلة “الانتقال الديمقراطي” إلى سيرورة “توطيد البناء الديمقراطي”، فإنه من المؤكد أن ثمة لاعبا جديدا /مجددا بصدد تدشين حقبة جديدة في التاريخ المعاصر للبلد، حقبة سيكون لها بالتأكيد ما بعدها.

ومن الناحية الواقعية، فقد دشن هذا اللاعب الجديد مسارات جديدة للتعبير عن الرأي وإبداع ميكانزمات جديدة للاحتجاج، ومن بين تجلياتها طغيان وملء مساحات كبيرة من حيث النقاشات الدائرة في فضاءات “السلطة الخامسة” وفي “الهوامش” الأخرى السياسية والإعلامية للحديث والتعبئة وتدبير مقاطعة بعض المنتوجات الاستهلاكية.

لقد أسهمت المقاطعة في إرباك الحكومة إلى حد غير مسبوق، وأسقطت كل الأقنعة عنها، وكشفت عجزها المزمن وحالة التيه وفقدان البوصلة التي هي فيها. والأسباب كثيرة ومتعددة؛ أهمها أن هذه الحكومة، بعد سقوط ورقة المظلومية وتهافت خرافة التماسيح والعفاريت، تعاني من أعطاب مزمنة، من المرجح أنها غير قابلة للمعالجة ولا حتى للترميم، ليس أقلها ما طبع ويطبع تشكيلتها وهجانة هويتها.

ليس المجال يتسع لجرد الأدلة والبراهين التي تثبت صحة ما نحن بصدده، إذ تكفي الإشارة إلى قصورها وعجزها الصارخين وغير المسبوقين عن تقديم أجوبة مقنعة بشأن الأسئلة الكثيرة التي طرحتها وتطرحها المقاطعة؛ ومنها، على الخصوص، أربعة أسئلة جوهرية عالقة تنتظر أفعالا وأجوبة فعلية وناجعة وليس ترديد شعارات جوفاء أو إصدار تصريحات تزيد من صب الزيت على النار أو القيام بشطحات بهلوانية على شاكلة ما قام به الوزير المتظاهر، ويتعلق الأمر بـ:

سؤال تدني القدرة الشرائية لقطاع عريض من المغاربة،

سؤال التدهور الحاد لمكانة الطبقة المتوسطة في المجتمع،

سؤال تعطيل وظائف المؤسسات، ومنها تلك التي يفترض أن “تحمي” قواعد المنافسة وأن تتصدى لتغول اقتصاد السوق والنيوليبرالية المتوحشة،

سؤال حماية وتشجيع المقاولات الوطنية ومناخ الاستثمار بشكل عام.

وفي خضم تداعيات هذه المقاطعة وما واكبها من نقاشات وردود فعل متباينة، وباستحضار فرضية قدرة الديناميات التي تنتجها “السلطة الخامسة” على ارتياد آفاق واحتمالات لا يمكن التنبؤ بها بسبب غياب أو ضعف الرؤى الاستشرافية؛ فاللحظة تستوجب الوقوف، ليس فقط على معطى جوهري يشكل حلقة مفقودة، لم تحض بالدراسة والبحث المعمقين، ويتمثل في التساؤل المفصلي عن التكلفة التي يؤديها وسيؤديها البلد من جراء “حجز” ورهن وكبح الحكومة لإمكانات وفرص التطور الوطني في مختلف المجالات، وهي إمكانات وفرص موجودة وحقيقية، بل التنبيه أيضا إلى أن هناك اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، حاجة ملحة ومستعجلة إلى “إنقاذ” البلد من حكومة “اعتقلت” المجتمع ورهنته بشكل خطير.

وبالقدر نفسه من الإلحاح، ولأننا أهدرنا الكثير من الفرص والكثير من الزمن والكثير من الجهد والطاقة في معارك دونكيشوتية وفي صراعات شعوبية خاوية، هناك أيضا حاجة موضوعية مجتمعية لمعالجة الكوابح والعجز الخطير في تحريك قطار الأوراش الإصلاحية الكبرى بالسرعة والوتيرة اللازمتين ومواكبة الديناميات الإصلاحية التي ما فتئ جلالة الملك يشدد ويذكر بضرورة الانكباب عليها بالروح الوطنية العالية وليس بالحسابات السياسوية الصغيرة، علما بأن الأمر يتعلق هنا بمشاريع وبرامج حاملة لمفاتيح وحلول، ليس فقط للانتظارات والمطالب المشروعة المستعجلة للمواطنين، ولكن أيضا وأساسا مفاتيح وحلول معالجة المعضلات التنموية ذات الأثر المهيكل والمستدام على المجتمع والدولة.

خلاصة القول، فإذا كان المكون الأغلبي للحكومة، بعد أن استنفد كافة مبررات فشله وسقوط المشجب الذي اعتاد على أن يعلق عليه عجزه المزمن، غير قادر على بلوغ سقف المسؤولية الدستورية وحجمها ومداها المخولة له، فمن حق الأصوات المجتمعية المعارضة وكذا المعارضة المؤسساتية كامتداد لتلك الأصوات المعبرة عن نفسها في صيغة “سلطة خامسة”، أقول من حقها تجريب الإمكانات الدستورية المتاحة. كما من حقها بل ومن واجبها أن تطرح على أجندة الحوار الوطني مسألة معالجة “الكوابح” الموجودة في الوثيقة الدستورية نفسها.

إن الحفاظ على المكتسبات الكبيرة التي حققتها بلادنا واستثمار الإمكانات الواعدة التي تتوفر عليها تستوجبان الاشتغال على تحويل التحديات التي نواجهها إلى فرص.. لذلك، بات من المطلوب اليوم ، وباستعجال، إعادة تصويب الفعل السياسي والمؤسساتي باتجاه إعطاء دفعة أقوى لقطار الإصلاح وإعادة ضخ الدماء في شرايين الوعد الدستوري بما يضمن الإقلاع السياسي والاقتصادي والمجتمعي المأمول والذي يشكل إحدى الأولويات القصوى لحزب الأصالة والمعاصرة ومعه كل من يعنيه “إنقاذ الوطن”، و”تحرير” طاقاته المهدورة والمكبلة جراء حالة الحجز والرهن والوهن المفروضة عليه باسم شرعيات زائفة.

إن حزب الأصالة والمعاصرة، المسكون بهواجس المساهمة في البناء، لا يجد حرجا في طرح السؤال الذي يتحاشاه كثيرون: هل يستقيم كبح ورهن إمكانات التطور الوطني باسم “شرعية انتخابية” هي في الواقع ليست شيئا آخر غير “شرعية” قاعدة انتخابية لا تمثل إلا نسبة ضئيلة جدا لمجتمع يريد أن يتقدم إلى الأمام؟



اراء القراء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زوابع و توابع

حكم قضائي حول رئيس المحاسبين المعتمدين

صدر مطلع هذا الأسبوع حكم قضائي استئنافي قطعي برفض طلب حول الطعن في شرعية رئيس المنظمة المهنية للمحاسبين المعتمدين بالمغرب، ويأتي هذا الحكم من محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط لوضع حد...

انتحار التلاميذ

لازلنا نسمع حوادث انتحار عديدة للتلاميذ في المغرب بعد ظهور نتائج الامتحانات الاشهادية، وهذا ما تكرر هذه السنة بعد فشل بعض المتمدرسين في ساحات الحرب مع مناهج تعليمية وتربوية مليئة...

زوابع عربية

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا عِنْدَ مَوْطِنٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَوْطِنٍ...

زوابع ,المحاسبين

زوابع المحاسبين

خضعت وزارة المالية يوم الخميس الماضي لمطالب المهنيين في المحاسبة والفاعلين الاقتصاديين وذلك بإصدار دورية من المديرية العامة للضرائب تؤجل فيه تطبيق نص قانوني في قانون المالية 2016 إلى شهر...

(مشاهدة المزيد)

اسمانوخ

نجاة بلقاسم / حياة بلقاسم بين تحقيق واغتيال الأحلام

نجاة بلقاسم / حياة بلقاسم بين تحقيق واغتيال الأحلام

حياة بلقاسم ونجاة بلقاسم فتاتان مغربيتان كان لهما حضور قوي في الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في المغرب خلال السنوات الأخيرة، تجمع بينهما أوجه تشابه كثيرة، لكن مصير كل واحدة كان...

الامتحانات

الناجحون في الامتحانات هاد العام

هاد الليمات وأنا تنتسارا ف الفايسبوك بان ليا مجموعة ديال الدراري والدريات تيبقاوا مكونيطين ف الانترنيبت اكثر من عشرة ديال السوايع وقتما حليت الفايس طالعين ليه ف الراس… المشكلة هي...

الكارطة

حظك مع الكارطة

حظك مع الكارطة للشواف مهند الحربيلي ليوم السبت 14 نونبر 2015 مهند الشواف صاحب أكبر سر لعجائب الكارطة في حياتنا ومستقبلنا، وقد تعلم أسرار الحظ من الكارطة على يد الشوافة والحلايقية الروحانيين...

حظك مع الكارطة

مهند الشواف صاحب أكبر سر لعجائب الكارطة في حياتنا ومستقبلنا، وقد تعلم أسرار الحظ من الكارطة على يد الشوافة والحلايقية الروحانيين بمدينة مراكش،  ثم صقل موهبته من “قتيل القمارة”  المشعوذ...

(مشاهدة المزيد)

كتاب و آراء

محمد اللواري يكتب عن زواج القاصرات بالمغرب

“زواج القاصرات جريمة مرتكبة في حق الطفولة” مما لاشك فيه أن ظاهرة زواج القاصرات في ارتفاع دائم حيث انتشرت مؤخرا بعدد كبير من الدول الكبرى ،ولم تعد تقتصر على الدول...

الدرداري يكتب :استهداف القيم المجتمعية وراء فقدان الثقة في السياسيين

  كتب الدكتور احمد الدرداري /مملكة بريس الخميس 17 يناير 2019 يبدو التغيير التنموي متأرجح بين فقر في الشجاعة السياسية و الرغبة في اتباع برامج تتخطى القيم وذلك كما يلي:...

محمد أديب السلاوي يكتب..متى تضيء الرقابة بحر ظلمات الفساد؟

إن تبذير المال العام لا ولن ولم يقتصر، في المغرب الراهن، على النماذج التي تطرحها الصحافة بين الحين والحين. إن أمر الفساد المالي يطال القطاعات المنتجة: أبناك / وزارات /...

ماء العينين تكتب عن الحرب التي تشن ضدها

في مطلب الوضوح فجأة وجدتُها حربا ضروسا وَظفَت فيها جهات ما،كل الامكانيات الاعلامية واللوجيستيكية،وتكلف بإعلانها وإذكائها أشخاص معروفون من الرجال والنساء بنفس الأدوات والأساليب. حرب سياسية شاملة هدفها التحطيم والنسف...

(مشاهدة المزيد)

استفتاء

    • هل أنت مع إلغاء معاشات البرلمانيين؟

      النتائج