تافراوت، أرض الجود والكرم

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

 

“إذا غادر التافراوتيون مدينة طنجة، فسوف تبقى شبه فارغة ”
هذا ما قاله أحد الشباب بثقة وهو يبتسم.
محمد ابن الفقيه سي علي درس الاعلاميات واشتغل بطنجة لسنين ويعرفها جيدا. يسكن في أحد مداشر تافراوت على سفح جبل قمته تشكل رأس أسد، الشاب يمتلك طاقات وقدرات هائلة في مجال تخصصه ويمتاز باخلاق عاليه تظهر في تواضعه وحسن استماعه وتجنبه الاختلاف مع الآخر.
جلست معه ومع أبيه على مائدة كرم وترحاب كما جلست مع الكثير من سكان المنطقة.
إفادات وشهادات سمعتها سوف تصحح العديد من الافكار الجاهزة التي كنت احملها كما يحملها غيري في الذهن لسنين.
من الصعب تصديق ان الكثير من سكان طنجة ينحدرون من هذه المنطقة، ويشكلون مع أسرهم نسبة عالية من السكان، الجميع يؤكد أن أغلبية سكان طنجة هم من مناطق أخرى، من الجنوب ومن الريف، وذلك يظهر جليا أيام الاعياد بالخصوص عيد الاضحى حيث تبدو مدينة طنجة بالفعل شبه فارغة…
في جولة خفيفة للمدينة تجلب نظري مساكن ضخمة ومنازل فارهة وفي نفس الوقت متواضعة بنيت بحس رفيع وذوق متميز تحت ظلال أشجار نخيل، جنب صخور واحجار من كل الأحجام منتشرة في كل مكان، على سفح الجبال وفي مناطق جد وعرة، كما تنتشر على جوانب الطرق.
“تلك الدار الكبيرة فارغة لكنها محروسة. مالك الدار يشتغل بطنجة. له “بازار” في شارع الحرية ورثه عن أبيه.”
“ذلك المتجر الموجود في المكان الفلاني بتافراوت هو في ملك فلان، الذي له متجر على شارع فاس بطنجة. يشتغل مكانه ابنه. ”
يقول الفقيه مبتسما.
تقترب من أطفال يلعبون قرابة مسجد ضخم وسط دوار خارج تافراوت.
أغلبيتهم يبدون خجولين في البداية ويتكلمون معك بالامازيغية وهم يضحكون، ينصتون بادب مبالغ فيه.
ثم يتكلمون بحكمة وتعقل، وتلمس من بين الكلمات توازن نفسي وقوة شخصية تشكل جاذبية وسحر جمال لاناس حافظوا على هويتهم بانسجام تام مع التغيرات التي فرضها الزمن.
” انا كبرت في السواني،
انا ازددت في بني ماكادة،
أخي “قرأ” في ثانوية ابن الابار،
انا في عطلة ونسكن في سوق البقر.” بطنجة
الحاج عبد السلام عاد من طنجة منذ اكثر من ثلاثين سنة. كان أحد تلامذة أحمد بوكماخ قبل الاستقلال، وسوف يحكي لنا قصصا مدهشة عن مغامراته قبل أن يفقد بصره إثر ضربة كرة خلال لعبه مباراة. حدث غير حياته واقعده عن العمل، مما دفعه للرجوع الى “البلاد” وانشاء مشروع سياحي ناجح.

شهرين وسوف تمتلئ تافراوت عن آخرها بخيام متناسقة الالوان وسيارات ومركبات الاوروبيين، من فرنسيين، ألمان إسبان وهولنديين.
الملاحظ أن المتعاملين مع السياح بالمنطقة يتكلمون لغات عديدة منها اللغة الإنجليزية والفرنسية والإسبانية لكن جلهم يتكلمون الالمانية بطلاقة أكثر بحكم عدد السياح الالمان المتزايد.
الكثير من ملاكي المشارع التجارية الكبرى من فنادق ومخيمات أغلبيتهم تافراوتيون مقيمون بفرنسا، أو فرنسيون، للاشارة أكبر وأجمل فندق في المنطقة تملكه وتديره سيدة هولندية.
التقيت مع أفراد جمعية تعتني بنشر الوعي بأهمية البيئة وتقوم بدروس محاربة الأمية، حول مائدة عشاء وشاي محلي، واستغربت حين علمت أن جل الأعضاء يقطنون في مناطق بعيدة كطنجة والدار البيضاء، بل فيهم من يشتغل كسائق شاحنة يتنقل بها من طنجة الى لندن مرتان في الشهر. لكنهم يكونون دائما في الموعد في لقاءات متواصلة خلال السنة.
سر ومنبع سحر المنطقة وجاذبيتها وبالتالي سر إقبال السياح الأجانب المتزايد يكمن في الهدوء التام والهواء النقي والأمن والأمان الذي يسود بين أرجائها، ويترسخ في حسن خلق سكانها الطيبين الذين يتكلمون لغة جميلة هادئة، كما يكمن في مياه عذبة تتدفق من أعينها وروعة التضاريس المحيطة بها، من جبال تبهر أنظار الزائرين تحكي عن براكين وهزات أرضية كونت صخورا من كل الاحجام وجبال شامخة تشبه قمة أحدهما رأس أسد، في بيئة عذراء طبيعية جميلة هي عبارة عن واحات كلها أشجار نخيل ولوز وزيتون.
الحقيقة المؤلمة تكمن في قلة مصادر المياه في الكثير من المناطق نواحي تافراوت وكذلك تواجد الخنزير البري بكثرة والذي يأتي على المحاصيل الزراعية قبل نضجها، وحيث انه ممنوع صيده وهذه من الاسباب وراء هجرة السكان الى مناطق اخرى أملا في تحسين مستوى معيشتهم.
الجدير بالذكر ان العديد من التافراوتيين المهاجرين الى مناطق بعيدة لا يعودون الى منازلهم القديمة التي غالبا ما تضعف صلابة جدرانها الطينية بفعل الزمن وتساقطات الامطار وتتهاوى الواحدة تلو الاخرى لتبقى أحجارها ونوافذها وابوابها شاهدا لتاريخ أناس أقوياء الارادة لا يغلبهم كسل أو يقهرهم زمن. مناطق هنا وهناك تتكثل فيها الكثير من بقايا وآثار منازل مهاجرين غادروا ولم يعودوا لا يتذكر أسمائهم الا كبار السن من سكان المنطقة.
وحتى إن عاد من عاد منهم يبنون مباني جديدة غير بعيد من المنازل القديمة التي تبقى شاهدا على الماضي وتضم إرثا ثقافيا خاصا ومتميزا.
طمأنينة وسلام يعمان المدينة الصغيرة التي لا يتواجد فيها لا مركز شرطة ولا محكمة ولا يقع فيها خصام ولا مشاجرات أو عنف أو سرقة. من الملاحظ أن أصحاب الحوانيت يتركون محل تجارتهم مفتوحة للذهاب الى المسجد.
سكان المنطقة يمتازون بكرمهم وخصالهم المبنية على الثقة باخلاقهم وبكدهم واخلاصهم في العمل. كما انهم جد متدينين بشكل مثالي قريب من التصوف يظهر جليا في معاملاتهم مع بعضهم البعض كما يظهر في تواضعهم وضيافتهم وسخائهم في تعاملهم مع الآخرين.
الملاحظ ان إيمان التافراوتيين القوي وتشبثهم بالأعراف والتقاليد المبنية على التسامح الديني وقبول الآخر قد يفسر نجاحهم في التجارة والسياحة، في تصرفاتهم التي تكاد تخلو من الزهو والتكبر بحيث أن العنف والتطرف والاقصاء عملة لن تجدها بين سكان سوس المتسامحين والمتواضعين الذين يقدرون التعاليم السمحة وقيم التسامح الامازيغية التي ورثوها ابا عن جد بثقة متناهية وبدون تكلف أو تذمر .
مدينة تافراوت كنز ثقافي لا يقدر بثمن، سكانها مثال حي للكرم المغربي وطبيعتها تروي حكايات كثيرة عجيبة لن تتذوقها وتفهمها الا بتواجدك بين أحضانها.

 

تحرير : حسن حيزون

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.