اخر الاخبار

سلمان بونعمان يكتب…رمضان والتدين الاستهلاكي

الجمعة 10 مايو 2019 | مملكة بريس /س


 

 

أصبح الاستهلاك ظاهرة شاملة تخترق الإنسان المسلم المعاصر في كل مجالات حياته ورؤيته لذاته ولطبيعة العلاقات والتفاعلات مع الآخرين، بشكل تحول معه الإفراط في الاستهلاك من المجال الاقتصادي إلى نمط ثقافي وقيمي يخترق التدين ويحوله إلى نموذج “استهلاكي سائل” فاقد للمعنى، مسلم في الشكل والمظهر لكنه مادي الرؤية والنموذج، بل مجرد كائن اقتصادي مستهلك لا يحمل أية قضية أو رسالة أو مرجعية، فهو مادة استعمالية خادمة للقوى العولمية وللشركات العالمية، وقابل للتوظيف الإعلامي والثقافي والاقتصادي والسياسي بغرض تعظيم اللذة فقط والإسهام في ضخ الأرباح للرأسمالية المتوحشة والإعلام المهيمن، والإشهار المستمر في التلاعب بالعقول وخلق الرغبات الاستهلاكية وصناعة الأذواق لدى المتلقي والمستهلك.

وهكذا يسهم الإعلام والإشهار ومنطق السوق في برمجة المتلقي/المستهلك، وتحويل الاستهلاك إلى قيمة مطلقة في ذاته دون أي مبرر شرعي أو فطري أو وظيفي، ضد الحاجيات الحقيقية للإنسان وإنسانية الإنسان، وذلك يعود لكون الاستهلاك يرتكز على فكرة التغير المستمر وموضة التجريب الدائم، لينتج في الأخير ما سماه روجي غارودي ألوهية السوق.

ولا يخرج شهر رمضان عن هذا السياق الاستهلاكي العام الذي انغمس فيه المسلم المعاصر معرفيا واجتماعيا وقيميا، حيث تحول “رمضان” في الممارسة الاجتماعية الإسلامية إلى حالة اجتماعية وثقافية قصوى لتمثل هذه السيولة الاستهلاكية والتكلف الاجتماعي والإرهاق المادي للأسر، في تناقض صارخ مع كل القيم التحررية والتحريرية والتكافلية والروحية التي شُرع من أجلها الصوم فلسفة ومقصدا وتزكية، وتغييب لفلسفة الإسلام الكونية المستندة إلى نقد قيم الأنانية والفردانية والمادية والاستهلاكية وتفكيك القيم السلبية والانحطاطية في تفكير المسلمين وسلوكاتهم.

وهكذا يمكننا فهم منطق الإفراط “الاستهلاكي” والهوس به إلى الفهم السطحي للدين، وتراجع الأبعاد المقاصدية والحضارية للصوم وغيره من قيم الإسلام في واقع المسلمين، مع السقوط المعرفي والأخلاقي والثقافي في حالة من الاستغراق في النموذج الاستهلاكي الرأسمالي والسقوط في نسقه الذي يعد جوهر العلمانية الشاملة وهو الأمر الأخطر، لأنه شكل من الاختراق العلماني العميق والصامت الذي لا يتعايش مع نمط من التدين “الناعم” و”الرخو” و”السائل” الذي قد يمارس الشعائر الدينية شكليا..

لكنها لا تؤدي إلى نمط من النباهة الاجتماعية والحضارية، إذ تجعل هذه الممارسات الشكلية الهدف من الوجود في الأرض ليس البحث عن الحق والخير والجمال أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو تحقيق العبودية والاستخلاف في الأرض بالمعنى الحضاري الشامل والمتكامل، أو عمارة الأرض وإصلاحها بما ينفع الناس، وإنما إدخال الإنسان في حلقة الإنتاج والاستهلاك المفرغة، فينتج ليستهلك ويستهلك لينتج، بل تتحول الوسائل في سياق الحداثة المنفصلة عن القيمة إلى غايات بتعبير المسيري. وهكذا يفقد التدين الاستهلاكي أي قدرة على التساؤل الفلسفي أو الأخلاقي أو الرسالي، بسبب اختراق المنظومة المادية لأحلامه وأوهامه ورغباته دون وعي منه لدلالاتها الاجتماعية والأخلاقية، فتصبح توجِّه وتحدِّد أولوياته.

إن الحاجة ملحة لإطلاق ثورة مدفوعة برؤية إنسانية مؤمنة متجاوزة للواقع، ذات أبعاد فكرية وقيمية ونماذجية ضد هذه الموجة الكاسحة من الاستهلاكية الاستعمارية الجديدة، تدشن لدورة جديدة في مسارات النهضة والإصلاح، مقاومة هذه السلط المقدسة الجديدة التي تغتصب العقول وتحتل النفوس، وتسعى لقتل إنسانية الإنسان وتفكيك القيم وإفقاد المعنى، وتحويله إلى مادة استعمالية.

فلا يمكن بناء النهضة المنشودة دون الثورة ضد موجة التطلعات المتزايدة وآثارها الثقافية والقيمية المدمرة، وعلى ما خلفته الحداثة الداروينية من صراع وتفكك واستهلاك جنوني، بإطلاق ثورة تبتدئ بتحرير الذات والفكر من هذا الاستعمار النفسي وخوض معركة لتحرير الإنسان وإرادته وتكريمه، بهدف تفعيل رساليته في الوجود واستخلافه في الأرض واسترجاع إنسانيته ذات الأبعاد المتعددة والمركبة، باعتباره صاحب هوية وحاملا لقيم النهضة والتحرر، وتبني الإسلام كرؤية للكون بمرجعية إنسانية منفتحة.

 



اراء القراء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زوابع و توابع

كورونا الاقتصادية

كورونا متلازمة حادة خنقت أنفاس الاقتصاد، وأفقدت أنوف المترسملين الإحساس بشم منتوجاته الطبيعية، والتهب حلق العاجزين من نقد تصنيع الكماليات، وقلة انتاج المواد الأساسية، واشتداد الحاجة إلى ضخ دماء جديدة...

السيد كورونا الإرهابي

سنعاني هذه الأيام مع من يتشبثون بالحقائق المطلقة ويبخسون الأبحاث العلمية، وسنتألم ممن ينكرون حكمة الأقدار ويؤمنون بزيف الأخبار … وسنندهش من تناقض أفكار العلماء، وسنحير من تضارب عواطف الشعراء...

الاقتصاد في حكومة العثماني

تحرير : عبد اللطيف بلكرينة التعديل الحكومي الأخير يكرس التداخل بين القطاعات وامكانية تبديد الجهود بين الوزارات حول تحديد الاختصاصات بينها والمثال اللافت للنظر هو المجال الاقتصادي حيث نجد في...

حكم قضائي حول رئيس المحاسبين المعتمدين

صدر مطلع هذا الأسبوع حكم قضائي استئنافي قطعي برفض طلب حول الطعن في شرعية رئيس المنظمة المهنية للمحاسبين المعتمدين بالمغرب، ويأتي هذا الحكم من محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط لوضع حد...

(مشاهدة المزيد)

اسمانوخ

نجاة بلقاسم / حياة بلقاسم بين تحقيق واغتيال الأحلام

نجاة بلقاسم / حياة بلقاسم بين تحقيق واغتيال الأحلام

حياة بلقاسم ونجاة بلقاسم فتاتان مغربيتان كان لهما حضور قوي في الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في المغرب خلال السنوات الأخيرة، تجمع بينهما أوجه تشابه كثيرة، لكن مصير كل واحدة كان...

الامتحانات

الناجحون في الامتحانات هاد العام

هاد الليمات وأنا تنتسارا ف الفايسبوك بان ليا مجموعة ديال الدراري والدريات تيبقاوا مكونيطين ف الانترنيبت اكثر من عشرة ديال السوايع وقتما حليت الفايس طالعين ليه ف الراس… المشكلة هي...

الكارطة

حظك مع الكارطة

حظك مع الكارطة للشواف مهند الحربيلي ليوم السبت 14 نونبر 2015 مهند الشواف صاحب أكبر سر لعجائب الكارطة في حياتنا ومستقبلنا، وقد تعلم أسرار الحظ من الكارطة على يد الشوافة والحلايقية الروحانيين...

حظك مع الكارطة

مهند الشواف صاحب أكبر سر لعجائب الكارطة في حياتنا ومستقبلنا، وقد تعلم أسرار الحظ من الكارطة على يد الشوافة والحلايقية الروحانيين بمدينة مراكش،  ثم صقل موهبته من “قتيل القمارة”  المشعوذ...

(مشاهدة المزيد)

كتاب و آراء

مصطفي الرميد يكتب…فعلها جلالة الملك فهل يفعلها الآخرون …؟

منذ ظهور الحالات الأولى لجائحة فيروس كرونا (كوڨيد 19) وما شكله هذا الوباء الذي أصاب العالم بأسره، من خطر على حياة المغاربة وتداعيات سلبية على الاقتصاد الوطني، سارعت الدولة المغربية،...

هل يمكن لقوة الصلاة وحدها أن توقف وباءً يشبه فيروس كورونا؟ حتى أن النبي محمد فكر بطريقة أخرى

    الكاتب: الدكتور كريغ كونسيدين ترجمة: عبد الله أموش- مع إيراد الأحاديث النبوية المقصودة من الكاتب   يدفع وباء “كوفيد 19/جائحة كورونا” الحكومات ومصادر الأخبار إلى اقتراح أحسن النصائح...

أمينة ماء العينين تكتب…امتحان “كورونا”

امتحان “كورونا” مع سرعة انتشار الفيروس، ومع تنامي مشاعر الخوف والارتباك الجماعي، علينا أن نتوجه في تواصلنا الى إحياء ودعم وترسيخ ثقافة التضامن ونبذ الأنانيات القاتلة. انتشار الوباء مهما كانت...

“نتي غير بنت”..التمييز الجنسي بالمغرب سنة 2020

لمياء حمدواي   ككل سنة يخصص يوم 8مارس للإحتفال بالمرأة ،التي تعد الأم الأخت،الزوجة،الإبنة ،فبعد سنوات عديدة أضحى هذا الإحتفال تقليدا لايمكن تفويته ،إلا أننا نتسائل في خضام ذلك ،إن...

(مشاهدة المزيد)

استفتاء

    • هل أنت مع إلغاء معاشات البرلمانيين؟

      النتائج