كتاب و آراء

صفقة القرن الاقتصادية بين الذل السياسي و الترقب الديني

الخميس 27 يونيو 2019 | rachida essalhi


بقلم الدكتور /احمد الدرداري

صفقة القرن الاقتصادية بين الذل السياسي و الترقب الديني

في البداية وتماشيا مع القصص التاريخية للأمم التي عمرت الارض دون أن يسمع لها ركزا، فان الظروف التي تتم فيها رسم شرق أوسط جديد تحت عنوان صفقة القرن يمكن ابداء ملاحظة أولية وتتجلى في كون حكومات الدول العربية تكذب على أمريكا واسرائيل لأنها ليست معنية بموضوع الصفقة وغير شرعية قياسا الى الديمقراطية وقياسا الى التأييد الديني وأن هؤلاء الزعماء مؤقتون الى حين قدوم اصحاب الحقوق الحقيقيون والذين سيظهرون ما بعد الصفقة، كما ان همهم الوحيد هو المال والسلطة وهما شيئين لا يدومان، حيث نص القران الكريم على ان الارض يرثها العباد الصالحين وليس المفسدين، ماعدا اذا كانت الصفقة تتم بين الاطراف من نفس الصنف والخصوصية وبالتالي فان الطرف الأساسي مغيب ويترقب من بعيد كل مجريات الصفقة بعناية دون الأخذ بعين الاعتبار أي احتمال من جانبه في الحسبان. فماذا تعني صفقة القرن؟

صفقة القرن هي تقديم عرض اقتصادي ومالي ومشاريع استثمارية تمنح للدول العربية مقابل تنازل سياسي وديني كبير يتمثل في توسيع جغرافية اسرائيل لتشمل سيناء والشام والعراق والسماح بانتزاع ما تبقى من حقوق الفلسطينيين على ارضهم و حقهم في العودة واقرار القدس عاصمة أبدية لإسرائيل…، ولهذه الصفقة أثر على حياة شعوب الشرق الاوسط التي يمكن تقديم من خلال ثلاث قراءات ممكنة، قراءة دينية عميقة والتي يفهمها الكثير ممن يحسبون على الدين وتاريخ الاديان، وقراءة سياسية التي يعتبر البارعون فيها هم واضعي الصفقة ومقدمي العرض وخصوصا امريكا واسرائيل وهما على علم بالمستوى السياسي الضعيف، وقراءة اقتصادية التي أضحت القراءة المسيطرة على كل المجالات وذلك لتفادي حساسية الدين والسياسة بسهولة، ولهذا فان موضوع صفقة القرن يقتضي المعالجة التي تتجاوز السياسة والدين بنوع من السخرية القانونية والاقتصادية، ووفق منطق الربح والخسارة في الصفقة فان اغفال علاقتها بما هو ديني وما هو سياسي له تبعات غاية في الأهمية، وقيمة الصفقة و عيوبها وملابساتها ومستقبلها السياسي والديني مشوب بالغموض؟

من طبيعة الصفقة أنها تتطلب الشفافية والديمقراطية في ابرامها، والمنافسة .. مما يبين أن الامر يتعلق بعقد اذعان تحت اسم صفقة دون تناسب شروط وضوابط ابرام الصفقات المألوفة، بل ان هذه الصفقة خضعت للسلطة التقديرية للإدارة الامريكية لتسليم المشروع الى المقاولة الاسرائيلية وبالمحاباة المكشوفة مما يسمح بالطعن والتجريح . وبدلا من اتباع الانتقاص المفتوح وفي ظل وجود مقاولة وحيدة فان المناقصة اسندت للدول العربية من أجل تخفيض الثمن ارضاء للإدارة والمقاولة معا لكونهما قوتين مدججتين بوسائل الضغط، مع ملاحظة في هذا الاطار جديرة بالإثارة ويتعلق الأمر بتحفظ ورفض الصفقة من طرف بعض الدول كإيران وتركيا والمغرب، الشيء الذي يمكن معه التفكير في ميثاق القرن للتوازن وفصل المواقف والارتباطات الدولية المعقدة واعتماد رؤية غير منحازة تحافظ على حضارة الأمم والشعوب ولاسيما دور الوسيط الحضاري المملكة المغربية الذي يمكن أن تلعبه لتكريس التقارب الحضاري و حوار الاديان والتعايش الثقافي.

لقد حافظت الصفقة على طابع العلنية دون السماح بتفحص تفاصيل العرض، وتم اختيار المتعاقدين بنوع من المجازفة مما يبقى معه تعديل الصفقة مسألة واردة نظرا لنسبية الضمانات المقدمة وغياب للجدية المطلوبة، وهذا يجعلها مختلفة عن الصفقات المألوفة في عالم المال والأعمال وهي معيبة لأنها تستند الى خيار وحيد اما القبول أو الرفض ولفائدة طرف معلوم، وتتم تحت الاكراه المادي والمعنوي واكراه البقاء في الحكم. كما أن موضوع الصفقة غير قابل للتنازل ولا البيع ولا المساومة ولا حتى التداول لكونه ملكية مشتركة وغير مفوض بعقد وكالة للنيابة عن الشعوب في ابرام الصفقة لأية حكومة دولة عربية مما يعني أن الصفقة صورية وتتم بين أطراف باسمهم الشخصي وستلحقها حركات وردود افعال ستطيح بمن وافق ووقع على الصفقة، وبطلان التصرف ممن ليس له الصفة وارد لكون الاتفاق لا يمكن ان يكون حول موضوع اطاره القانوني النص الديني الاسلامي والمسيحي الخارج عن ارادة الانسان بصفته الشخصية بالإضافة الى التشريع الدولي الذي سار على نفس المنوال.

ان الدعوة الى التفاوض لم تشمل مقاولات أخرى بل تشمل البائعين لحظوظهم غير المباشرة في الشياع مما يدل على ان الشفافية خصت جانب غير مهم في العملية، لكون الادارة والمقاولة يمليان شروطهما لتوقيع عقود الالتزام من طرف فاقدي الأهلية، بل فقط لأن الثمن يبدو محفزا لقبول الصفقة ، بينما طبيعة الموضوع فلا تقبل المساومة ولا التنازل بل ستلحقه الشفاعة وأنه ملكية الحاضر والغائب من الأجيال والأمم واستحالة تمثيل كل الورثة في الموضوع فان الصفقة تتم تحت طائلة البطلان والدول العربية لا تمثل الورثة القانونيين.

ان هذه الصفقة التي ستحول منطقة الشرق الأوسط الى واقع جديد تتم بطريقة الاكراه وهي استثنائية وذات صيغة تفاوضية، كما أنها مفروضة ولو أنها تتم تحت الطلب، فهي ليست معروضة، وأن مسطرتها التفاوضية تتبع اجراء مفاوضات حول شروط الصفقة مع الشخص الطبيعي أو الاعتباري المتفاوض معه قبل اسناد الصفقة.
فالإشهار مثلا حاضر كما أن أكبر قوة عالمية هي التي تعرف بالصفقة بدلا من أن تخضع فقط للمعايير الدولية، كما تمنح الصفقة بطرق مشبوهة لأن المقاول الاسرائيلي يستعمل التحايل على المشروع والادارة الامريكية تهدد بطريقة مباشرة وغير مباشرة لقبول الشروط مقابل المساعدات والبقاء في الحكم، وبهذا فهي ليست ارادية في غياب موافقة الشعوب التي من المستحيل ان تعطي موافقتها على صفعة القرن.

ولكونها صفقة تفاوضية فذلك لكونها في مصلحة الادارة والمقاولة ولها صلة بمصلحتهما الأمنية والاستراتيجية، ثم ان طبيعة الموضوع يتضمن الحق الالهي الذي لا يقبل المساومة حفاظا على وظيفته الثابتة، ثم ان الاهداف المتوخاة والنتائج المراد بلوغها والوسائل التي ستستعمل في الصفقة ستضر بثروات الشعوب وسلامة الافراد الجسدية والمعنوية وممتلكاتهم المادية والروحية.
ان هذه الصفقة التجارية من طبيعتها تفترض الربح والجسارة أو الافلاس لاسيما اذا لم يتم دراسة موضوع الصفقة بشكل كافي، ومع عدم تضمين كل الشروط في ابرام صفقة غطت الزمن بقرن دون تغطية كل البشر بالقبول والرضى فان فرضية الافلاس قائمة وبالتالي فان عدم وفاء أحد الاطراف بالالتزامات أو تغييرها أو موت الملتزمين وتغيير الانظمة السياسية سوف ينهي الصفقة نهاية غير عادية.

كما أن تغيير الحدود الحالية لإسرائيل وتوسعها الدولة العبرية يشكل خطرا كبيرا عليها وعلى أمن الاسرائيليين واليهود حيث انه كلما توسعت الرقعة صعب ضبطها ولهذا غير مجدي تعهد حكومات الدول العربية لسوء وضعيتها ولعدم ضمان العواقب، وهي تمثيلية غير شرعية دينيا وسياسيا بل مخادعة على مقياس خداع اسرائيل.

ان الذين أظهر التاريخ نماذجا منهم هم الذين سيتم معهم سحب المعدات والخروج من الصفقة دون ربح يذكر ولا يمكن التنبؤ بما هو ات فكل علو من بعده سقوط …



اراء القراء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زوابع و توابع

الاقتصاد في حكومة العثماني

تحرير : عبد اللطيف بلكرينة التعديل الحكومي الأخير يكرس التداخل بين القطاعات وامكانية تبديد الجهود بين الوزارات حول تحديد الاختصاصات بينها والمثال اللافت للنظر هو المجال الاقتصادي حيث نجد في...

حكم قضائي حول رئيس المحاسبين المعتمدين

صدر مطلع هذا الأسبوع حكم قضائي استئنافي قطعي برفض طلب حول الطعن في شرعية رئيس المنظمة المهنية للمحاسبين المعتمدين بالمغرب، ويأتي هذا الحكم من محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط لوضع حد...

انتحار التلاميذ

لازلنا نسمع حوادث انتحار عديدة للتلاميذ في المغرب بعد ظهور نتائج الامتحانات الاشهادية، وهذا ما تكرر هذه السنة بعد فشل بعض المتمدرسين في ساحات الحرب مع مناهج تعليمية وتربوية مليئة...

زوابع عربية

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا عِنْدَ مَوْطِنٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَوْطِنٍ...

(مشاهدة المزيد)

اسمانوخ

نجاة بلقاسم / حياة بلقاسم بين تحقيق واغتيال الأحلام

نجاة بلقاسم / حياة بلقاسم بين تحقيق واغتيال الأحلام

حياة بلقاسم ونجاة بلقاسم فتاتان مغربيتان كان لهما حضور قوي في الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في المغرب خلال السنوات الأخيرة، تجمع بينهما أوجه تشابه كثيرة، لكن مصير كل واحدة كان...

الامتحانات

الناجحون في الامتحانات هاد العام

هاد الليمات وأنا تنتسارا ف الفايسبوك بان ليا مجموعة ديال الدراري والدريات تيبقاوا مكونيطين ف الانترنيبت اكثر من عشرة ديال السوايع وقتما حليت الفايس طالعين ليه ف الراس… المشكلة هي...

الكارطة

حظك مع الكارطة

حظك مع الكارطة للشواف مهند الحربيلي ليوم السبت 14 نونبر 2015 مهند الشواف صاحب أكبر سر لعجائب الكارطة في حياتنا ومستقبلنا، وقد تعلم أسرار الحظ من الكارطة على يد الشوافة والحلايقية الروحانيين...

حظك مع الكارطة

مهند الشواف صاحب أكبر سر لعجائب الكارطة في حياتنا ومستقبلنا، وقد تعلم أسرار الحظ من الكارطة على يد الشوافة والحلايقية الروحانيين بمدينة مراكش،  ثم صقل موهبته من “قتيل القمارة”  المشعوذ...

(مشاهدة المزيد)

كتاب و آراء

خالد فتحي يكتب…النظام يحاكم النظام بالجزائر

خالد فتحي ما زالت الجزائر تتلمس طريقها للخروج من أزمة الحراك الشعبي، الذي اندلع بسبب إصرار من وقفوا خلف بوتفليقة على عهدة خامسة له؛ على الرغم من تقديم النظام القائم...

هل سيحقق التعديل الحكومي الانتظارات؟..

بقلم الدكتور أحمد الدرداري انطلاقا من ركود الفعل السياسي التنموي وتجاهل انتظارات الشعب المغربي الذي لم يعد له قيمة الا في الخطب الملكية، ونظرا لاصرار النخبة الفاسدة على حماية مصالحها...

محمد أديب السلاوي يكتب..صورة المرأة في السينما العربية

  محمد أديب السلاوي إلى متى تظل المرأة على الشاشة العربية جسدا للمتعة والإغراء…؟ انطلقت السينما العربية من مصر قبل قرن ونيف من الزمن، ومنها انطلقت صناعتها إلى لبنان وسوريا...

الدرداري يكتب “مخاطر نظام الأمركة الجديد ووقعها على السلم العالمي (الشرق الأوسط نموذجا)”

    بقلم الدكتور أحمد الدرداري  لقد قامت الأمركة على أسس اقتصاد العولمة المعقدة والملتبسة وتحمل في طياتها أفكارا سياسية وثقافية مضادة للهويات الوطنية والمحلية لدول الجنوب مفتقرة للمحاسبة، وتهدد...

(مشاهدة المزيد)

استفتاء

    • هل أنت مع إلغاء معاشات البرلمانيين؟

      النتائج