أخبار عالمية

كورونا ومناعة الدولة

الأحد 19 أبريل 2020 | الحسين ابورك


متلازمة كورونا كأصعب أزمة أظهرت المناعة الحقيقية لأي دولة في العالم، فالدولة تستطيع الصمود ببنية قوية وسليمة كلما كانت متمتعة بوعي حقيقي لحكامها، وصدق يسري في عروق سادتها، ونبض متصل في قلب تاريخها، وتماسك طبيعي بين خلايا مؤسساتها، وسيادة الحيوية على أعضاء شعبها، آنذاك ستستطيع حماية أنفاسها والإبقاء على دمائها مهما كان الثمن، وستحافظ على حياتها منيعة وجسمها معافى مهما صرفت من أموال.

فكيفما كانت الأزمات أو الأوبئة فجهاز مناعة الدولة نشأ وتكون كمنظومة منسجمة طيلة عقود، وأحيانا قرون، ليكون قادرا على حماية خلاياه المجتمعية الحقيقية من الأجسام الغريبة عنها، وتلك الخلايا تتقوى بتغذية طبيعية، بما تنتجه ذاتيا وبما تستطيع هضمه، وإذا كانت متحررة داخليا وخارجيا برئات قادرة على التحكم في تصفية ما تتنفسه، فستكون محصنة ضد هجمات الأجسام  الغريبة المدمرة والفيروسات الأجنبية الضارة حينما تتعرف على دمارها أو ضررها.

والدولة كجميع الأجسام الحقيقية ، قد تكون سليمة أو معاقة، وإعاقتها تكون في الفكر أو الرؤية أو الحركة، وتزداد المخاطر حينما تكون آذانها صماء عن سماع ما يؤذي سكونها وحركتها، وألسنتها بكماء عن التعبير عن آمالها وآلامها. وأنسجة الدولة السليمة تطورت عبر السنين وشكلت أجهزتها الدفاعية، تحسبا لأي عدو قد يفتك بأعضائها، أو يشل حركتها، أو يخنق أنفاسها، وتزداد أجهزة الدولة مناعة كلما قاومت سموم الجهل المختلفة، وتخلصت من جراثيم المكائد الخبيثة.

ولا يستطيع أي اختراق كيفما كان نوعه للدولة أن يضعف كفاءتها في الحفاظ على خلاياها الحيوية، طالما بقيت ذاكرتها نشيطة، وازدادت شبكة الاتصالات بينها تعقيدا، وحافظت على إرث مقاوماتها لكل دخيل عليها، وجددت أنزيمات إنتاجها واستهلاكها بشكل ذاتي، فالدولة النامية تتكيف كما تتكيف باقي الكائنات، وتتغير حسبما تقتضيه الظروف والحاجيات، وتتفاعل آلياتها عبر سلاسل متعددة من الوظائف المتكاثرة والمتكاملة، لتكون قادرة على صد ما يهدد استقرار نبض مكوناتها، واستمرار تدفق شرايين حياتها.

تلك المجازات فرضت نفسها حينما قارنت بين قرارات عدة حكومات لمواجهة جائحة كورونا بعدة دول، وكلما تعمقت في المقارنة وجدت شبها عجيبا بين الدولة وجسم الانسان، وازدادت غرابة التشابه في تحديد آليات دفاعهما للحفاظ على الكينونة، والاستمرار في البقاء على قيد الحياة، وصرت أحيانا أجد صعوبة في التمييز بين جسم الانسان العليل الذي تداعى بسرعة ثم خر مختنقا بسبب عدوى الوباء، وبين الدولة المنهكة التي سقط الآلاف من شعبها موتى في هذه الجائحة بسبب قرارات رعناء.

وقد تأكد أن ضعف المناعة من الأسرار الحقيقية التي جعلت الجسم يتداعى ويسقط عاجزا عن التنفس، ومستسلما في المقاومة، ثم صريعا في المستشفيات أو خائرا في الشوارع أو ميتا في البيوت، بل لازال الناس في العالم مذهولين مرعوبين من عجز دول كثيرة عن إنقاذ الآلاف من الأرواح، وعدم قدرتها على دفن المئات من الجثث، فصارت تحرقها،  فتلك الدول كانت تبدو بالأمس سليمة، فتأكد أنها تحيى بمناعة مكتسبة، وربما بتلقيحات غير طبيعية، وتتقوى خلاياها الاجتماعية بانتقاء اصطناعي لآلياتها، وأغلبها تؤمن بالموت الرحيم لإعدام ذاكرتها، التي تستطيع لوحدها توريث المضادات الطبيعية لصد كل دخيل مدمر عليها.

إذن المناعة الحقيقة لأي دولة في جائحة كورونا تجلت في قدرتها على الحفاظ على شعبها دون حساب التكاليف المادية، التي تزداد كلما تأخر استخدام الذاكرة المناعية في صد الجوائح والأوبئة، والدول التي لم تتأذ بالطواعين السابقة، كالكلويرا والتفويد والملاريا، وجدت صعوبة في صد وباء جديد عليها، مثلها مثل الدول التي اغترت بأدويتها الاصطناعية  ومستشفياتها الحديثة لمواجهة وباء خلقه فيروس متجدد ومتطور عن أسلافه التي لم تخترق الملايير من أجسام بني آدم.

ووعي قادة الدول وحكامها بضرورة مشورة المؤسسات الصحية المتخصصة والرصينة هو الذاكرة المناعية لتلك الدول التي ستتغلب على ضراوة الجائحة أو ستستطيع أن تنأى عن فتكها بمجموعة من التدابير، بدأت بحواجز ثم بحوافز ثم ستكون بتطعيمات ثم بعلاجات، واتخاذ أي قرار بشأن تلك الإجراءات يكلف الملايير من الدولارات لأي دولة غنية أو فقيرة، متقدمة أو متخلفة، ديمقراطية أو استبدادية، بل لقد اختفت هذه المعايير لتصنيف الدول أمام جائحة كورونا، لأننا لاحظنا إجراءات مختلفة تنبئ عن معيار آخر للدولة هو إرادتها بقاء الأرواح في أجساد مواطنيها، أو التضحية بهم من أجل فلسفة الانتقاء والبقاء للأصلح من خلال مناعة القطيع.

وقد ابتعدت دول كثيرة عن مناعة القطيع، إما لايمانها بقدسية حياة الأرواح، أو عجزها عن تكاليف استشفاء الملايين من المرضى، ودفن الآلاف من الموتى، وكيفما كان السبب فأول قرار ضد الجوائح والأوبئة تناقله الحكماء هو الإسراع بإغلاق الحدود، وكلما قلت حركة التنقل بين شعوب الدول كلما انحصر عدد  الوافدين الحاملين للفيروس المسبب للوباء، فتتوقف العدوى الآتية من مختلف البلدان، ثم تتفشى بين المقيمين في حالة اختلاطهم، ولا شك أن خسائر هذا الإجراء تحسب بملايير الدولارات لأنه أدى إلى شلل في حركة الطيران العالمية، وإلغاء فعاليات الملتقيات الدولية، وتأجيل أنشطة المنافسات الرياضية، مما سبب عجزا في السياحة بشكل كلي، و أضرارا بليغة بتوقف الاستيراد وتعطل التصدير.

ولتحصن الدولة الأقوى تحملا نفسها أكثر، ولكي تحمي مكونات جسمها بشكل أفضل، اتخذت قرارا بتكثيف الحواجز الداخلية لحصر الفيروس في مواقع محددة، فقامت بحظر التنقل العمومي، وأوقفت حركة القطارات والحافلات، ومنعت تنقل مواطنيها بين مناطقها ومدنها لتفادي الاختلاط، إلا في الحدود الدنيا وبسبب الظروف القصوى، ومن المستحيل اتخاذ مثل هذه القرارات المكلفة، والتي يصعب احتساب خسائرها المالية على الأفراد والمؤسسات، والتي تؤدي إلى إعاقة الانتاج والعجز عن الاستهلاك، وانخفاض الضغط المؤدي إلى السقوط والتهاوي نتيجة تباطؤ الدورة الاقتصادية، وضعف ما تضخه أوردتها وشرايينها لما يحتاجه جسم الدولة ومكوناته.

هذا التحصين للمواطنين من فيروس كورونا ظهر أنه تحصين للدولة من الجائحة، والتحصين في حقيقته بمثابة الحمية التي مهما كان ثمنها غاليا وتضحياتها ثمينة فقدرتها على علاج الأمراض مهمة وعلى شفاء الأجسام عجيبة، وكلما كان الوعي بضرورة تحصين الدولة مستعجلا فاتخاذ قراره يحتاج إلى إرادة قوية، والتزام شديد، وانضباط حكيم، لإبقاء ما يضمن استمرار حياة جسم الدولة بوعي لازم، وتنفس طبيعي، وحركة مفيدة. ولا يتأت ذلك إلا بالحفاظ على قوة نشاط بعض مكونات الدولة، وتناسي تعطل مكونات أخرى حيثما لا تنتهي الحياة بذلك.

ومن طبيعة الدول القوية كأي أجسام سليمة قدرتها على تخزين مواد أساسية لمكوناتها الضرورية، التي تضمن استمرار حياتها ريثما تتعافى، وتلك المواد هي التي تدعم الخلايا الدفاعية، وتستطيع الحفاظ على قوة أنسجتها، وتزيد من متانة تفاعل أعضائها، لذلك لاحظ المراقبون لقرارات بعض الحكومات في الدول التي لم ينتشر بها الوباء بشكل خطير، أنها فرضت التباعد الاجتماعي بين الأفراد، وألزمتهم بالعزل المنزلي، واهتمت باستمرار أنشطتهم من بيوتهم كلما كان ذلك ممكنا سواء في التعليم، أو أي نشاط انتاجي أو خدمي.

ولقد أدت هذه القرارات إلى أزمات في تمويل وتغذية جل مواطني تلك الدول، فتم التضحية بمخازن الصناديق السيادية للحد من هذه الأزمات، وتم الاعتماد على الخلايا الدفاعية، والمكونات الصحية الطبيعية، وبعد ذلك تمت الاستعانة بالأمصال الخارجية، لضمان البقاء على حياة أعضائها، وسلامة خلاياها المجتمعية، فكان الاهتمام بالنجاة من الوباء أكبر من كلفة وسائل الاستدانة المختلفة وسبل التبرع المتنوعة، فضلا عن الاعتقادات النفسية والسلوكيات المتحضرة، وبسبب كل ذلك فسيبتعد أي فيروس قاتل عن تلك الدول إلى أجسام دول كثيرة، أغلبها كانت عقولها العلمية مغرورة، ومناعتها الطبيعية متأثرة ببيئات لوثت أنفاسها، ومشبعة بتغذية غير سليمة، ناهيك عن الرهاب النفسي والافتتان السلوكي، وكلها أسباب تسهل غزو الفيروسات المميتة سواء في الجوائح أو الأزمات.

وبعد هذه الأزمات التي نتجت عن جائحة كورونا، فتقوية مناعة الدولة ستصبح من أولى الأولويات، وقد تبين أن المناعة  القوية تتأسس على الوعي بضرورتها، وبذاكرة مناعية نشيطة، وتغذية طبيعية دائمة، واهتمام بالخلايا الدفاعية، وتتبع للقدرات الصحية لجميع أعضاء جسمها كي تبقى سليمة، وستضمن التعافي من أي مرض طالما استطاعت تشخيصه بوسائل علمية، وقدرت على تفادي آثاره بأساليب وقائية وعلاجية مهما كان ثمنها، لأنها تراها رخيصة مقابل غلاء الإبقاء على حياتها.

ورغم كل ذلك فهناك دول لا يمكن الحديث عن مدى مناعتها، ولا تشخيص حالتها، سواء في ظل جائحة كورونا أو أي أزمة غيرها، لأنها تحيى كما تحيى أجسام المجانين، حيث ينعدم الوعي الذي يمكنه أن يحكمهم، أو كأجسام المشردين الذين يحيون بذلة الحاجة ويألفون مغص الفاقة، أو كأجسام المدمنين، الذين أوهمتهم عقولهم بعافيتها بتناول مخدرات مختلفة.

تحرير : عبد اللطيف بلكرينة

 

 



اراء القراء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زوابع و توابع

كورونا ومناعة الدولة

متلازمة كورونا كأصعب أزمة أظهرت المناعة الحقيقية لأي دولة في العالم، فالدولة تستطيع الصمود ببنية قوية وسليمة كلما كانت متمتعة بوعي حقيقي لحكامها، وصدق يسري في عروق سادتها، ونبض متصل...

كورونا الاقتصادية

كورونا متلازمة حادة خنقت أنفاس الاقتصاد، وأفقدت أنوف المترسملين الإحساس بشم منتوجاته الطبيعية، والتهب حلق العاجزين من نقد تصنيع الكماليات، وقلة انتاج المواد الأساسية، واشتداد الحاجة إلى ضخ دماء جديدة...

السيد كورونا الإرهابي

سنعاني هذه الأيام مع من يتشبثون بالحقائق المطلقة ويبخسون الأبحاث العلمية، وسنتألم ممن ينكرون حكمة الأقدار ويؤمنون بزيف الأخبار … وسنندهش من تناقض أفكار العلماء، وسنحير من تضارب عواطف الشعراء...

الاقتصاد في حكومة العثماني

تحرير : عبد اللطيف بلكرينة التعديل الحكومي الأخير يكرس التداخل بين القطاعات وامكانية تبديد الجهود بين الوزارات حول تحديد الاختصاصات بينها والمثال اللافت للنظر هو المجال الاقتصادي حيث نجد في...

(مشاهدة المزيد)

كتاب و آراء

أحمد نور الدين…عصابات حكام الجزائر واستكمال المهمة القذرة للاستعمار الاوروبي

أحمد نور الدين نظام العصابات نظام لقيط يبدا تاريخه سنة 1962، لذلك يرفع شعار الحفاظ على الحدود الموروثة عن الاستعمار، ولا عجب فهو صنيعة الاستعمار، ويحرص النظام العسكري الجزائري ان...

الباحث في القضايا الدولية أحمد نورر الدين يتساءل…كيف سيكون شعور الجزائريين لو رد المغرب بالمثل؟؟

أحمد نور الدين…تساؤلات   خمسون سنة والجزائر تسلح وتمول حركة انفصالية لتقسيم المغرب، ماذا تسمي هذا؟ اليس هذا هو العدوان الغاشم؟ كيف نفسر طوفان التصريحات الطافحة بالحقد والكراهية على المغرب...

الميركاتو السياسي بالمغرب

إدريس المغلشي الميركاتو السياسي لمن يدفع أكثر ، مزاد غير معلن لكنه بادي للعيان ، هي رحلة بالمقابل لكن في نفس الوقت صك اتهام للهيئات السياسية سواء التي استقبلت والأخرى...

اغتصاب الطفولة بين قواعد الأخلاق، ونظم العقاب، ودور المؤسسات التعليمية في التوعية

رشيد الركراك مما لا شك فيه أن فعل الإغتصاب هو مرادف للغصب وإستعمال القوة عنوة وتجبرا ، ومن هذا المنطلق يمكن إعتبار الإغتصاب أو الإعتداء الجنسي هو إكراه الغير عن...

(مشاهدة المزيد)

استفتاء