اخر الاخبار

محمد أديب السلاوي يكتب..متى تضيء الرقابة بحر ظلمات الفساد؟

الإثنين 14 يناير 2019 | مملكة بريس /س


إن تبذير المال العام لا ولن ولم يقتصر، في المغرب الراهن، على النماذج التي تطرحها الصحافة بين الحين والحين. إن أمر الفساد المالي يطال القطاعات المنتجة: أبناك / وزارات / مؤسسات خدماتية؛ وهو ما جعل / يجعل الدولة قطاعا خاصا ومباحا للنهب، تحت ستار السلطة، وفي غياب تام للمراقبة والمساءلة والعقاب.

وبالنظر إلى الأرقام المهولة التي تكشف عنها حين بعد آخر التقارير الدولية / تقارير الأبناك والمنظمات المختصة، والتي كان من شأنها امتصاص قدر كبير من البطالة والفقر في البلاد، يبدو واضحا أن نهب المال العام واختلاسه أصبح معطى بنيويا متأصلا في البناء الأخلاقي للعديد من المسؤولين، الذين فوتوا على المغرب فرص التنمية والانتقال الديمقراطي وبناء دولة الحق والقانون.

السؤال المحرج الذي تضعه هذه الإشكالية هو: أين تضع إشكالية نهب المال العام نفسها من خطاب التخليق الذي رددته وتردده الحكومات المتعاقبة، في كل مناسبة طرح بها ملف الفساد المالي؟

دون البحث عن جواب لهذا السؤال يجب التأكيد هنا على أن تخليق الحياة العامة وإرساء دعم الديمقراطية والشفافية وإشاعة ثقافة الأخلاق والمساءلة العمومية لا يمكنها أن تتحول إلى حقيقة على أرض الواقع، دون إحداث تحولات نوعية وإصلاحات جوهرية عميقة في البنيات الاجتماعية، لتجسيد سياسة التغيير، عبر آليات المحاسبة والمراقبة، خصوصا في الجوانب المتعلقة بالتدبير المالي للمؤسسات العمومية، التي تصرف فيها المديرون والرؤساء والوزراء لفترة طويلة من الزمن، دون حسيب أو رقيب، إلى أن تحوّل العديد منها إلى صناديق خاصة للاغتناء اللامشروع.

لذلك، تصبح مسؤوليات الحكومة / الحكومات تجاه هذه الإشكالية الخطيرة، بتفرعاتها وأصنافها وألوانها وتقنياتها، كبيرة وعظيمة وخطيرة؛ لأنها إشكالية شاذة وقائمة على إفراز آليات بشرية لإهدار المال العام رغما على القوانين والآليات .. ومن ثمّ، فإن تنقية وتطهير القطاع المالي مما ألم به لن يكون خارج مسطرة واضحة للإصلاحات الجذرية، التي من شأنها بناء ثقة متبادلة بين كل الفعاليات والمؤسسات بالبلاد؛ لأن الإحساس بالثقة وحده الكفيل برد الاعتبار للمؤسسة المغربية، بعدما أصابها الانهيار والسقوط، لفترة مهمة من الزمن.

إن دولة الحق والقانون لا يمكن أن يستقيم عودها ما لم يتم أعمال النصوص الزجرية التي تحمي الموطن والشأن العام والأمن العام والمال العام والأخلاق العامة من الفساد والمفسدين، بشكل يجعل المواطنين على بينة من حقوقهم وواجباتهم ويرفع الهالة الأسطورية عن كافة الموظفين الكبار والوزراء الكبار والمسؤولين الكبار الذين تجاهلوا القانون في دولة القانون.

وإن أية إصلاحات هيكلية لإدارة الشأن العام لا يمكن مباشرتها خارج أعمال هذه النصوص؛ لأن الانتقال من الخطاب النظري للإصلاح إلى الخطاب الذي يجسده على أرض الواقع يتوقف على تفعيل تلك الترسانة من القوانين، التي وضعها المشرعون على مدى خمسة عقود، لحماية المواطن وحماية ماله العام وإدارته العمومية من عبث السفهاء والمفسدين.

إن المغرب، الذي تعمل منظومة الفساد على انهيار مؤسساته العمومية والاستهتار بها بفعل الخيانة واللصوصية، يتوفر على أجهزة رقابية عديدة؛ منها: جهاز رقابة الالتزام بنفقات الدولة والرقابة الإدارية التي يمارسها الآمرون بالصرف على المصالح الإدارية والمحاسبين، ومنها جهاز الرقابة السياسية التي يضطلع بها البرلمان سواء عند مناقشته الميزانية العمومية أو بعدها، ومنها أيضا المفتشية العامة للمالية، والمجلس الأعلى للحسابات الذي أوكلت إليه الرقابة العليا على المال العام، في جوانبها القضائية والمالية والإدارية.

إلا أن هذه الأجهزة جميعا ظلت، لفترة طويلة، مغيبة؛ وهو ما فتح الباب على مصراعيه لمختلسي المال العام لممارسة لصوصيتهم، بحرية وبلا خوف أو خجل لفترة طويلة من الزمن.

السؤال: متى تضيء الرقابة بحر الظلمات؟ متى تقدم منظومة الفساد إلى المحاسبة؟

أفلا تنظرون؟



اراء القراء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زوابع و توابع

حكم قضائي حول رئيس المحاسبين المعتمدين

صدر مطلع هذا الأسبوع حكم قضائي استئنافي قطعي برفض طلب حول الطعن في شرعية رئيس المنظمة المهنية للمحاسبين المعتمدين بالمغرب، ويأتي هذا الحكم من محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط لوضع حد...

انتحار التلاميذ

لازلنا نسمع حوادث انتحار عديدة للتلاميذ في المغرب بعد ظهور نتائج الامتحانات الاشهادية، وهذا ما تكرر هذه السنة بعد فشل بعض المتمدرسين في ساحات الحرب مع مناهج تعليمية وتربوية مليئة...

زوابع عربية

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا عِنْدَ مَوْطِنٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَوْطِنٍ...

زوابع ,المحاسبين

زوابع المحاسبين

خضعت وزارة المالية يوم الخميس الماضي لمطالب المهنيين في المحاسبة والفاعلين الاقتصاديين وذلك بإصدار دورية من المديرية العامة للضرائب تؤجل فيه تطبيق نص قانوني في قانون المالية 2016 إلى شهر...

(مشاهدة المزيد)

اسمانوخ

نجاة بلقاسم / حياة بلقاسم بين تحقيق واغتيال الأحلام

نجاة بلقاسم / حياة بلقاسم بين تحقيق واغتيال الأحلام

حياة بلقاسم ونجاة بلقاسم فتاتان مغربيتان كان لهما حضور قوي في الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في المغرب خلال السنوات الأخيرة، تجمع بينهما أوجه تشابه كثيرة، لكن مصير كل واحدة كان...

الامتحانات

الناجحون في الامتحانات هاد العام

هاد الليمات وأنا تنتسارا ف الفايسبوك بان ليا مجموعة ديال الدراري والدريات تيبقاوا مكونيطين ف الانترنيبت اكثر من عشرة ديال السوايع وقتما حليت الفايس طالعين ليه ف الراس… المشكلة هي...

الكارطة

حظك مع الكارطة

حظك مع الكارطة للشواف مهند الحربيلي ليوم السبت 14 نونبر 2015 مهند الشواف صاحب أكبر سر لعجائب الكارطة في حياتنا ومستقبلنا، وقد تعلم أسرار الحظ من الكارطة على يد الشوافة والحلايقية الروحانيين...

حظك مع الكارطة

مهند الشواف صاحب أكبر سر لعجائب الكارطة في حياتنا ومستقبلنا، وقد تعلم أسرار الحظ من الكارطة على يد الشوافة والحلايقية الروحانيين بمدينة مراكش،  ثم صقل موهبته من “قتيل القمارة”  المشعوذ...

(مشاهدة المزيد)

كتاب و آراء

سياسة عدم الإفلات من العقاب و ضوابط العمل بها عبر العالم

بقلم الباحث القانوني  محمد الحبشاوي ان سياسة عدم الافلات من العقاب في القانون الدولي اصبحت شاملة و متكاملة في عدد من الدول التي وضعت خطة عمل الى جانب المجتمع الدولي...

خليل بوبحي يكتب…قراءة قانونية في لقاء الوداد والترجي

بقلم ذ/ خليل بوبحي عرف إياب نهائي كأس عصبة الأبطال الافريقية لكرة القدم بين الوداد الرياضي المغربي والترجي الرياضي التونسي فضيحة كروية مدوية بكل المقاييس لخصت ربما واقع التسيير الرياضي...

د.الدرداري يكتب:”المغرب الحديث بين مفهومي دولة القانون ودولة الحق”

بقلم الدكتور احمد الدرداري لاشك ان المجتمع المغربي عاش تطورات مختلفة منذ الاستقلال تميزت بالتناقضات في عدة مجالات خضع من خلالها لقانون التطور الليبرالي الفرداني التلقائي في مقابل مركزية الاهتمام...

د.الدرداري يكتب:الأمن اللامادي ومتطلبات مواكبة السلوك البشري الحديث

الأمن اللامادي ومتطلبات مواكبة السلوك البشري الحديث. مفهوم الأمن اللامادي بين النظريات العلمية وطبيعة المقاربات التي تعكسها عقليات التنزيل غير المباشر هو اشكال مرتبط بدرجة الالمام بالمتطلبات والاحتياجات الأمنية المبررة...

(مشاهدة المزيد)

استفتاء

    • هل أنت مع إلغاء معاشات البرلمانيين؟

      النتائج