اخر الاخبار

نجاة بلقاسم / حياة بلقاسم بين تحقيق واغتيال الأحلام

الثلاثاء 2 أكتوبر 2018 | الحسين ابورك

نجاة بلقاسم / حياة بلقاسم بين تحقيق واغتيال الأحلام

حياة بلقاسم ونجاة بلقاسم فتاتان مغربيتان كان لهما حضور قوي في الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في المغرب خلال السنوات الأخيرة، تجمع بينهما أوجه تشابه كثيرة، لكن مصير كل واحدة كان مختلفا تماما عن مصير الأخرى.

نجاة وحياة تشتركان في نفس الاسم العائلي (بلقاسم)  دون أن تكون بينهما قرابة أو تعرف إحداهما الأخرى عن كثب، وربما كانت نجاة مثلا أعلى لحياة، تطمح لأن تهاجر وتصبح مثلها يوما ما،  تنحدران من وسط هامشي  بشمال المغرب، عاشتا طفولة معذبة تحلمان بالهجرة إلى أوربا منذ نعومة أظافرهما، نجاة تمكنت وهي طفلة من العبور والنجاة من كابوس الفقر والتهميش، واستطاعت ترقي أعلى المناصب في فرنسا  كان آخرها وزيرة للتربية والتعليم ، أما حياة وهي شابة  كانت تحمل جبالا من الهموم وتتطلع لتبديدها بالأحلام،  فلم تسعفها  الحياة حتى تحقق أحلامها، فما أن ركبت زورق أحلامها باحثة عن طوق نجاة حتى وضعت رصاصة من البحرية الملكية المغربية حدا لحياتها لتتسع الهوة بين نهاية حياة  وحياة نجاة:

إذا كانت نجاة بلقاسم من مواليد 1977 دفعتها ظروفها العائلية وهي طفلة صغيرة  إلى رعي الأغنام والماعز في سفوح جبال الريف نواحي مدينة الناظور، واستطاعت التخلص نسبيا من القهر بالتحاقها رفقة والدتها بفرنسا  حيث كان يشتغل والدها، ووجدت في والدتها الأمَّ التي تشجع أولادها السبعة على الدراسة والمطالعة، كافحت درست وصبرت ولم تحصل نجاة على الجنسية الفرنسية إلا عند بلوغها سن 18 سنة، ومع ذلك كانت الهجرة منعطفا هاما غير حياتها من الرعي بصندل بلاستيكي إلى أن ترفل في أرقى القصور وتتبوأ أعلى المناصب بفرسا (وزيرة لحقوق المرأة والناطقة الرسمية باسم حكومة  جاك مارك إيلورت  تحت رئاسة فرانسوا هولاند / وزيرة لحقوق المرأة والمدينة والشباب والرياضة في حكومة مانوال فالس/ وزيرة التربية الوطنية والتعليم العالي والبحث العلمي في حكومة فالس الثانية) . هكذا فتحت لها الهجرة فرصا جعلتها أول امرأة في تاريخ الجمهورية الفرنسية تشغل وزيرة للتربية الوطنية والتعليم العالي والبحث العلمي، كانت لها مواقف جريئة مشهود لها في مواضيع حساسة كالمساواة بين الجنسين، الإجهاض و الدعارة…

مقابل ذلك كانت الهجرة بالنسبة  لحياة بلقاسم الشابة ذات 22 ربيعا قرارا واختيارا واعيا، فهي طالبة جامعية تدرس بكلية الحقوق جامعة عبد المالك السعدي بمدينة تطوان، قررت يوم الاثنين 24 شتنبر 2018 ركوب زورق سريع  اختار أصحابه الإسبان تهجير شباب مغاربة نحو ضفاف أوربا الجنوبية مجانا . وهي تحمل أحلاما تخلصها من واقع الفقر والحاجة والإقصاء، وتخفف عن كاهل والدتها التي تعذبت من أجل تربيتها، وربما تطمح لأن تحقق ما حققته نجاة في فرنسا أو أكثر، لكن رصاصة واحدة كانت كافية لتغتال كل تلك الأحلام، وتجهض كل الأماني والتطلعات، وكأنها كانت تعلم ما سيحل بها كتبت في آخر تدوينة لها على صفحتها الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” تلخص هول الفاجعة كتبت تقول : “لقد جف حبر التمني… فليكتب القدر ما يشاء” ولم تكن كتابة القدر إلا السطر الأخير في حياة شابة طموحة حالمة….

نعرف ونعترف أن التاريخَ تاريخٌ لا مجال فيه للتخمينات ، لكن من حق المتتبع أن يتساءل ماذا لو…؟ ماذا لو تم منع نجاة بلقاسم من الهجرة؟ هل كان العالم سيعرف مثل هذه الطاقة الإيجابية الخلاقة التي كان لها تأثيرها في فرنسا والعالم وأضحت في المغرب وغيره نموذجا لنجاح المهاجر واندماجه في الحياة الأوربية. وهي التي هاجرت طفلة غرة صغيرة من وراء قطيع الماعز…؟ أليس في قتل حياة بلقاسم قتل للطموح، اغتيال للأحلام وضرب لأحد أهم حقوق الإنسان المتعارف عليها دوليا وهو الحق في التنقل؟

قتل حياة وهي تحلم بالهجرة تناقض صارخ مع الدستور المغربي الذي يصرح في المادة 24 أن (حرية التنقل عبر التراب الوطني والاستقرار فيه، والخروج منه، والعودة إليه، مضمونة للجميع وفق القانون.) وضرب للقانون الدولي الضامن لحرية التنقل منذ صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 10 دجنبر 1948  الذي ينص في إحدى بنوده  (المادة 13) على أن  : ( لكل فرد حرية مغادرة أي بلد بما في ذلك بلده). صحيح أن حياة حاولت الهجرة سريا ودون الخضوع للقوانين المعمول بها، لكن هل هذه المخالفة تستوجب القتل…؟؟

قتل حياة بلقاسم يسائلنا جميعا : أما من حد لمآسي الهجرة السرية؟؟ إلى متى يقف العالم صامتا وهو يرى هذا البحر الأسود المتوسط يتلهف لمزيد من الجثث؟؟؟
الكاتب : الكبير الداديسي

 



اراء القراء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زوابع و توابع

كورونا الاقتصادية

كورونا متلازمة حادة خنقت أنفاس الاقتصاد، وأفقدت أنوف المترسملين الإحساس بشم منتوجاته الطبيعية، والتهب حلق العاجزين من نقد تصنيع الكماليات، وقلة انتاج المواد الأساسية، واشتداد الحاجة إلى ضخ دماء جديدة...

السيد كورونا الإرهابي

سنعاني هذه الأيام مع من يتشبثون بالحقائق المطلقة ويبخسون الأبحاث العلمية، وسنتألم ممن ينكرون حكمة الأقدار ويؤمنون بزيف الأخبار … وسنندهش من تناقض أفكار العلماء، وسنحير من تضارب عواطف الشعراء...

الاقتصاد في حكومة العثماني

تحرير : عبد اللطيف بلكرينة التعديل الحكومي الأخير يكرس التداخل بين القطاعات وامكانية تبديد الجهود بين الوزارات حول تحديد الاختصاصات بينها والمثال اللافت للنظر هو المجال الاقتصادي حيث نجد في...

حكم قضائي حول رئيس المحاسبين المعتمدين

صدر مطلع هذا الأسبوع حكم قضائي استئنافي قطعي برفض طلب حول الطعن في شرعية رئيس المنظمة المهنية للمحاسبين المعتمدين بالمغرب، ويأتي هذا الحكم من محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط لوضع حد...

(مشاهدة المزيد)

اسمانوخ

نجاة بلقاسم / حياة بلقاسم بين تحقيق واغتيال الأحلام

نجاة بلقاسم / حياة بلقاسم بين تحقيق واغتيال الأحلام

حياة بلقاسم ونجاة بلقاسم فتاتان مغربيتان كان لهما حضور قوي في الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في المغرب خلال السنوات الأخيرة، تجمع بينهما أوجه تشابه كثيرة، لكن مصير كل واحدة كان...

الامتحانات

الناجحون في الامتحانات هاد العام

هاد الليمات وأنا تنتسارا ف الفايسبوك بان ليا مجموعة ديال الدراري والدريات تيبقاوا مكونيطين ف الانترنيبت اكثر من عشرة ديال السوايع وقتما حليت الفايس طالعين ليه ف الراس… المشكلة هي...

الكارطة

حظك مع الكارطة

حظك مع الكارطة للشواف مهند الحربيلي ليوم السبت 14 نونبر 2015 مهند الشواف صاحب أكبر سر لعجائب الكارطة في حياتنا ومستقبلنا، وقد تعلم أسرار الحظ من الكارطة على يد الشوافة والحلايقية الروحانيين...

حظك مع الكارطة

مهند الشواف صاحب أكبر سر لعجائب الكارطة في حياتنا ومستقبلنا، وقد تعلم أسرار الحظ من الكارطة على يد الشوافة والحلايقية الروحانيين بمدينة مراكش،  ثم صقل موهبته من “قتيل القمارة”  المشعوذ...

(مشاهدة المزيد)

كتاب و آراء

مصطفي الرميد يكتب…فعلها جلالة الملك فهل يفعلها الآخرون …؟

منذ ظهور الحالات الأولى لجائحة فيروس كرونا (كوڨيد 19) وما شكله هذا الوباء الذي أصاب العالم بأسره، من خطر على حياة المغاربة وتداعيات سلبية على الاقتصاد الوطني، سارعت الدولة المغربية،...

هل يمكن لقوة الصلاة وحدها أن توقف وباءً يشبه فيروس كورونا؟ حتى أن النبي محمد فكر بطريقة أخرى

    الكاتب: الدكتور كريغ كونسيدين ترجمة: عبد الله أموش- مع إيراد الأحاديث النبوية المقصودة من الكاتب   يدفع وباء “كوفيد 19/جائحة كورونا” الحكومات ومصادر الأخبار إلى اقتراح أحسن النصائح...

أمينة ماء العينين تكتب…امتحان “كورونا”

امتحان “كورونا” مع سرعة انتشار الفيروس، ومع تنامي مشاعر الخوف والارتباك الجماعي، علينا أن نتوجه في تواصلنا الى إحياء ودعم وترسيخ ثقافة التضامن ونبذ الأنانيات القاتلة. انتشار الوباء مهما كانت...

“نتي غير بنت”..التمييز الجنسي بالمغرب سنة 2020

لمياء حمدواي   ككل سنة يخصص يوم 8مارس للإحتفال بالمرأة ،التي تعد الأم الأخت،الزوجة،الإبنة ،فبعد سنوات عديدة أضحى هذا الإحتفال تقليدا لايمكن تفويته ،إلا أننا نتسائل في خضام ذلك ،إن...

(مشاهدة المزيد)

استفتاء

    • هل أنت مع إلغاء معاشات البرلمانيين؟

      النتائج